هل تتلاعب الشركات السعودية برقم الأرباح لتؤثر في السعر العادل للسهم؟
هل تتلاعب الشركات السعودية برقم الأرباح لتؤثر في السعر العادل للسهم؟
القوائم المالية عبارة عن لوحة فنية عن الشركة وأدائها، لكن لا أحد فيالحقيقة يعرف الشركة أو أداءها أكثر من أولئك الذين رسموا تلك اللوحة،والقضية الأهم هي أننا لا نرى أداء الشركة – ولا نستطيع ذلك - حتى نحكمعلى صدق الصورة وتلك القوائم المالية فيما تصوره. تظهر القضية بوضوح أكثرعندما تحاول إدارة الشركة أن تظهر الأداء بغير حقيقته تحقيقا لغرض ما قدلا يكون في مصلحة صغار المساهمين.
في الماضي القريب استندت الأسواق المالية إلى المراجع الخارجي وتنظيم مهنةالمحاسبة وما تصدره من معايير تحكم عملية التقرير عن أداء الشركة مما يقللمن قدرات إدارات الشركات على التلاعب بتلك القوائم.
لكن برغم كل تلك الإجراءات والتطورات المذهلة في نظم الرقابة الداخليةوالمراجعة الداخلية تفجرت قضية انهيارات الشركات الكبرى الأمريكية، التيانتهت بفاجعة انهيار مكتب اثر أندرسن أكبر مكتب للمراجعة في العالم في ذلكالحين. لقد انهارت الشركات بالرغم من كل تلك الإجراءات الرقابية وذلك بعدأن استطاعت مجالس إدارات الشركات الكبرى المنهارة أن تتلاعب برقم الأرباحوتظهر الوضع المالي للشركة بطريقة مغايرة للحقيقة.
الإشكالية أن إدارات هذه الشركات استطاعت أن تتلاعب برقم الأرباح مستخدمةالمعايير المحاسبية المقبولة وهو ما أصبح يسمى بإدارة الأرباح. فالشركةوباستخدام المعايير المحاسبية تعدل في رقم الأرباح (ترفعه أو تخفضه)،بينما يوقع المراجع بكل ثقة على سلامة تلك القوائم وتستند إليها المؤسساتالمالية في تحديد السعر العادل للسهم. مع انهيار الشركات العالمية أصبحتقضية إدارة الأرباح (تعديل رقم الأرباح بحسب رغبة الإدارة وقت التقرير) هما يؤرق الأسواق المالية لأن الثقة في التقارير المالية التي تصدرهاالشركات أصبحت محل جدل كبير.
في تلك اللحظات العصيبة من عمر مهنة المحاسبة كانت قضية حوكمة الشركاتتتطور بسرعة مذهلة واستطاعت أن تسد ثغرة الثقة التي ظهرت في عجز المراجعينالخارجيين عن اكتشاف تلك التلاعبات والسيطرة على سلوك الإدارة. كان مؤملافي قواعد الحوكمة وتطبيقاتها أن تعيد الثقة في القوائم المالية التي تعدهاالإدارة. من هنا ومع انتشار ظاهرة الحوكمة حول العالم ظهرت الدراسات التيتستكشف قدرات قواعد الحوكمة في السيطرة على مقدرة الإدارة على التلاعببالأرباح، وقد أشارت معظم هذه الدراسات إلى أن تلك القواعد تسهم فعلا فيالحد من تلك الظاهرة.
في السعودية اختبرت ظاهرة إدارة الأرباح بعدد من الدراسات وكان آخر تلكالدراسات دراسة الدكتور السهلي، وهو رئيس قسم المحاسبة في جامعة الملكسعود، والتي لاحظ من خلالها أن الشركات تتلاعب برقم الأرباح إذا كانت تريدزيادة رأسمالها. من هنا زاد اهتمامي بدراسة أثر الحوكمة في إدارة الأرباحفي الشركات السعودية.
وبشكل خاص فقد أثارني السؤال: هل تطبيق قواعد الحوكمة في الشركات السعوديةيسهم في التقليل من قدرات الإدارة وتلاعبها؟ قمت بتجميع وتحليل بياناتالشركات التي نشرتها في قوائمها المالية عن تطبيقاتها للحوكمة وعنأرباحها، لكن الدراسة لم تلاحظ اثر لكل قواعد الحوكمة المطبقة في المملكةعلى التأثير في قدرات الإدارة. كان هناك أثرا واضح إذا كان من ضمن مجلسالإدارة أعضاء يمثلون هيئات أو شركات أخرى. كما ظهر أثر للمراجع الخارجيإذا كان من كبار المراجعين. لكن أهم قواعد الحوكمة وهو عدد الأعضاءالمستقلين سواء في مجلس الإدارة نفسه أو حتى في لجنة المراجعة لم يكن ذاأثر في عملية التقرير عن الأرباح.
هكذا يبدو أن الشركات السعودية وحتى الآن لم تأخذ قواعد الحوكمة بطريقةجدية بعد. كما أن عملية اختيار أعضاء المجلس وخاصة المستقلين منهم بعيدةعن أي عملية انتخاب حقيقية، ويبدو أن للعلاقات الشخصية دورا بارزا. ومنجانب لجنة المراجعة فليس من أثر واضح لها حتى الآن ومرة أخرى فإن طريقةاختيار أعضاء اللجنة لها دور في تعطيل فعاليتها. لقد استنتجت عديدا منالدراسات المتخصصة أنه كلما كان أعضاء لجنة المراجعة من المستقلين الذينلديهم خبرة مالية ومحاسبية كبيرة كان أثرهم واضحا في الحد من قدراتالإدارة وتحسنت التقارير المالية. وبرغم أن قواعد الحوكمة لدينا لم تغفلنوعية أعضاء لجنة المراجعة وأهمية خبراتهم إلا أن الشركات تهمل هذه الفقرةبشكل خاص.
ومن خلال الدراسة التي أجريتها تبين أيضا أن الشركات السعودية لا تهتمبعملية التقرير عن ممارساتها قواعد الحوكمة لذلك بقيت الأسئلة مفتوحة حولفاعلية تلك القواعد ويبدو أن الشركات تفضل أن تمارس الحوكمة بالطريقة التيتدعمها وتعزز من حظوظها. لذلك تبقى درجة الثقة في القوائم المالية التيتصدرها الشركات السعودية محل تساؤل برغم قواعد الحوكمة.
ومع ذلك فليست المشكلة في تطبيق الحوكمة من عدمه بل المشكلة أن الإخلالبقواعد الحوكمة يشبه الأمراض المزمنة كالضغط والسكر فهي بحد ذاتها غيرمقلقة ولكن لأنها تتسبب في أمراض فتاكة فإنها تصبح كارثية.
إن الإهمال بقواعد الحوكمة سيخل بالثقة في القوائم المالية ولا ريب، خاصةمع تزايد الأدلة حول ممارسات الإدارة وتلاعبها برقم الأرباح، وذلك الخللفي الثقة سيربك السوق المالية حتما. فكيف لنا أن نثق بتقرير مؤسسة عنالسعر العادل لشركة ما مهما بلغ حجم المؤسسة المالية وثقلها طالما أنهاولتحديد ذلك السعر العادل تعتمد على قوائم مالية غير موثوق بها؟ لذلك فإندعمنا ممارسات الحوكمة الجيدة يعني أسعارا عادلة موثوقة، لذلك لم يعد منمفر للمؤسسات المالية التي تقدم توصياتها عن الأسعار العادلة من أن تطمئنأولا على ممارسات الإدارة للحوكمة. فإذا ظهر لها خلالا في ذلك فيجب عليهاأن تحدد السعر العادل في ضوء تحفظ.
* أستاذ المراجعة المساعد -جامعة الملك خالد - أبها ** نقلا عن جريدة "الإقتصادية" السعودية
بواسطةotyo, الجمعة, 09 مايو 2008 20:44, التعليقات(0)