كلّما تقادم الوقتُ على فقاعة أزمة الرهن غيرالمأمون الأميركية، تعاظم حجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة، فيالمؤسسات المالية والقطاع المصرفي، وأسفرت البيانات المعلنة عن كوارثمالية مستترة. وإذا كانت دولٌ شكّكت في تقدير صندوق النقد الدولي حجمالخسائر بما يقارب تريليون دولار، فإن الواقع يكشف، يوماً بعد آخر، أنالخسائر الفعلية قد تتخطّى هذا الرقم. لكن إلى جانب هذه الخسائر، برزتحاجة المؤسسات المتعثّرة إلى شركاء منقذين، لا يتوافرون إلا لدى الأثرياءجداً أو لدى صناديق سياديّة تشرف عليها الحكومات التي أنشأتها. لكن تملّكالصناديق السيادية أصولاً في مؤسسات تنتمي إلى الولايات المتحدة ودولالاتحاد الأوروبي، أثار انتقاداتٍ واسعة من مسؤولين سياسيين ومراقبيناقتصاديين، خوفاً من أن تؤثر خلفية هذه الصناديق، على الأمن القوميللبلاد، أو تهدّد هويّة إنتاج المؤسسات موضوع التملّك أو المشاركة.
وتقدّمالمؤسسات المتعثّرة إغراءً واسعاً للاستثمارات العالمية، سواء إلىالصناديق السيادية أو إلى صناديق الاستثمار العادية أو التحوّط. فهي تخفّضقيمة أسهمها المطروحة للبيع، وغالباً إلى مستويات تكاد توازي نسباً ضئيلةمن قيمتها الحقيقية أو المتعافية في السوق. ويأتي خفض القيمة إما نتيجةًلخسائر تبعد المستثمرين فيها عن الاستمرار في استثماراتهم، وإما بقراريفسح أمام مستثمرين جدد بهدف التملّك لزيادة رأس مال المؤسسة. وفي الحالينيتربّص مستثمرون، غير سياديين، بأسهم الشركات التي أنهكها الضعف.
فقبل نحو 20 سنة، بدأ نشاط صناديق استثمار من نوعٍ آخر، أطلق عليها اسم «Vulture funds»، نظراً إلى طبيعتها، ويمكن تسميتها «الصناديقالاستغلالية». فـ «الصناديق العقبان» أو الاستغلالية، هي مؤسسات ماليةيرتكزُ نشاطها الأساس على شراء سندات، سواء كانت في شكل أسهم لشركاتوصناعات أو لقروض مهدّدة بالعسر، أو حقوقاً وأنصبة متعثرة، وقروضاً يواجهحاملها صعوباتٍ في تسديدها. وباشرت هذه الصناديق في شراء ديون متعثرة علىالدول الفقيرة في العالم. واتخذت اسمها من «العقاب»، لأنها تحوم حولالقروض المتعثّر دفعها، ومن ثم تنقضُّ عليها لشرائها بأثمانٍ زهيدة.
نشأت هذه الصناديق في الولايات المتحدة وازدهرت على أنقاض إفلاس سمسارالطاقة «إنرون» في 2001، ومشغّل الاتصالات «وورلد كوم» في 2002. إثرَالأزمتين أرادت المصارف أن تتخلّص من قروضها الأكثر مجازفةً، فسمحت لمثلهذه الصناديق أن تنمو. وقال مدير البنك الأميركي «هوليبن لوكاي هوارد أندزوكين» فرانسوا فور في حينه: «عوض أن تزوّد المصارف حساباتها بقروض شركاتمعرّضة للأخطار، عمدت إلى بيعها في أسواق الدين المصرفي، بتنظيم مزاداتعلنية لها». وفي فرنسا باشرت مثل هذه الصناديق نشاطها، بداية الألفيةالثالثة، مستغلّةً إعادة التكوين المتلاحقة وجدولة الديون المفرطة للشركاتالمتراكمة في نهاية العقد السابق.
وتتغذّى الصناديق الاستغلالية من مآسي الآخرين، وتغتني بفضل المنشآت عندحافّة الإفلاس. إنها مؤسسات مالية ترتكز استراتيجية عملها على أن تشتريبأسعار متدنية، الديون المتعثّرة، وتبيعها بأسعار مرتفعة. لكنها تحوّلتنحو قروض البلدان الفقيرة في العالم الثالث. فعندما تصير البلدان المقترضةمعسورة الحال، تهاجمها الصناديق الاستغلالية أمام المحاكم من اجل أنتستعيد القرض بكامله، إضافةً إلى غرامات التأخير عن السداد والفوائد. فالصندوق الأميركي «دونيغال» ، اشترى بهذه الطريقة، عام 1999، ديوناًأقرضتها رومانيا إلى زامبيا قيمتها ثلاثة ملايين دولار، لكن قيمتهاالحقيقية 15 مليوناً. ولاحق «دونيغال» زامبيا أمام محاكم بريطانية مطالباًبـ 55 مليون دولار مع المتأخرات. ومنحه القضاء حقاً جزئياً، وأجبر زامبياعلى دفع 17 مليوناً، بقيمة إضافية توازي 500 في المئة، عن المبلغ الذياشترى به، وذلك على حساب أفقر دولة في العالم. وكذلك تعرّضت الكونغو –برازافيل الى قضية مماثلة من صندوق «كينسينغتون» والأرجنتين أيضاً.
وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن 46 حالة قضائية من هذا النوع هي أمامالمحاكم، قيمتها بليونا دولار تقريباً، وعلى رغم انها تبدو هامشية قياساًإلى إجمالي الدين العام الخارجي لدول الجنوب البالغ 1600 بليون دولار، فهيبالنسبة إلى بلدان فقيرةٍ يمكن أن تمثل كثيراً. ففي نيكاراغوا استطاعصندوقٌ مماثل، استرجاع 276 مليون دولار، تتجاوز الموازنة السنوية للصحة فيتلك البلاد.
وعلى رغم كونها نوعاً من صناديق التحوّط، تدير خمسة في المئة من إجماليقيمة ما تديره تلك الصناديق من سندات (2 بليون دولار)، فإنها باتت تهدّدالأهداف الإنمائية للقروض الممنوحة للدول الفقيرة. لذا بات هدف الدولالمانحة ونادي باريس للديون، وقف عمليات هذه الصناديق المضرة بالأهدافالاجتماعية، خصوصاً أنها تلجأ إلى القضاء. وبدأت بلجيكا باتخاذ إجراءاتمتشدّدة حيالها فأقرت في 31 كانون الثاني (يناير) الماضي، قانوناً يمنععلى هذا النوع من المؤسسات المالية أن تستولي على المساعدات البلجيكيةالمخصصة للتنمية في البلدان المديونة.
وتفرض سلوكية هذه الصناديق على الدول المانحة، أن تحصّن الإنفاق الاجتماعيالحيوي للبلدان المعسورة المديونة تجاه مجموع المقرضين. لذا يجب إرساءمبدأ عام، يطبق على المقرضين العامين والخاصين على السواء، قانوناًعالمياً للدين يحد من حقوق المقرضين ويحمي المديون. وبات الموضوع أكثرقابلية اليوم، نظراً إلى توازن القوى. فالبلدان الغنية تخشى منافسةالبلدان الناشئة، خصوصاً الصين، وتقرض البلدان الفقيرة من دون تحفظ،مستعيدة دورة الديون المشبعة أو المفرطة.
ويبدو أن الدول «الثماني الكبرى» ونادي باريس، تريد وقف الآليات التي تغنيالصناديق من طريق الاستفادة من قروض البلدان الغنية، فقدمت فكرة «ميثاقالقروض المسؤولة» في اجتماع «الثماني الكبرى» عام 2007. لكنه لن يكونموثوقاً ما لم تباشر الدول نفسها بتحمل مسؤولياتها تجاه بلدان الجنوب.
ويبدو أن الخشية من هذه الصناديق أعظم من الصناديق السيادية، خصوصاً أن المؤسسات المالية المفلسة حالياً، تشكل فريسةً سهلة لها!
* نقلا عن جريدة "الحياة" اللندنية.
بواسطةotyo, الأثنين, 12 مايو 2008 16:41, التعليقات(0)