اللافت للنظر في الآونة الأخيرة ظهور نقاشات في الإعلام المرئي من قبل بعض المحللين الاقتصاديين, مفادها أن سوق الأسهم السعودية هي إحدى الأذرعة التي تستخدمها مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) للتأثير في السوق ومن ثم المعروض من النقد وبالتالي التأثير في التضخم في المملكة.
فهل هذه النقاشات تقف على أرضية صلبة على الأقل من الناحية النظرية أم أنها تخمينات لمعطيات محددة؟ وهل هناك مبررات يمكن الاعتماد عليها في مثل هذه الطروحات؟
إنشاء الأسواق المالية التي تشمل الأسهم والسندات بأنواعها سواء العامة أو الخاصة، وكذلك صناديق الاستثمار المتنوعة سواء كانت المفتوحة أم المقفلة، إضافة إلى بعض المعادن الثمينة كالذهب والبلاتين يحقق فوائد جمة للاقتصاد الوطني.
فوجود فجوة زمنية بين تكوين المدخرات والاستثمارات يتطلب وجود سوق مالية, كون المدخرات تتراكم خلال فترات زمنية مختلفة بينما قرارات الاستثمار قد لا تتزامن معها, لذا توفر السوق المالية فرصة للتوفيق بين الادخار والاستثمار. من الفوائد المتوقعة من إنشاء سوق للمال إتاحة الفرصة للراغبين من المواطنين في توظيف مدخراتهم بما يكفل توفير السيولة اللازمة للاستثمار, ناهيك عن توفير المعلومات للمستثمرين من أجل توظيف أموالهم التوظيف السليم وبما يحقق السعر العادل والمناسب للأوراق المالية.
أيضا توفر السوق الفرص لجميع الطلبات الاستثمارية بما يقلل من تكاليف جمع المدخرات, وتوجيه الموارد الاقتصادية المتاحة للمشاريع الإنتاجية المتنوعة ما يخفف من المخاطر، ويوفر الفرص المتكررة للاستثمار بما يحققه من زيادة في فاعلية رأس المال, أخيرا، وجود الأسواق المالية يسهم في ترسيخ الفكر المؤسسي للقطاعات الإنتاجية واستمرارية المنشأة في التطوير والابتكار وبث روح الإبداع.
مما سبق ندرك جيدا أن أسواق رأس المال ضرورة ملحة, وهي مرآة تعكس تطور الأوضاع الاقتصادية وازدهارها, لكن هل صعود هذه الأسواق أو هبوطها (مؤشريا) يعني أن هناك خللا في اقتصادنا الوطني؟
بالتأكيد الإجابة بشكل إجمالي لا, فسياسة حكومتنا ـ أيدها الله ـ هي أن تجعل سوق الأسهم أقل جاذبية, وليست لكل الناس, وقد سعت وتسعى إلى تعميق السوق بشكل واضح وذلك من أجل التخفيف من التقلبات الحادة التي حصلت في وقت من الأوقات, ومع عدم اتفاقنا مع بعض سياسات هيئة السوق المالية إلا أنها بدت جادة في معالجة بعض جوانب القصور.
الداخل إلى السوق يعلم علم اليقين أنه حيث يوجد الربح توجد الخسارة وبذلك لا داعي للخلط بين العقل والعاطفة التي يضرب على وترها كثير من المحللين. المحافظ الاستثمارية سواء كانت حكومية أو خاصة كلها تستثمر من أجل تعظيم الأرباح, فلم عندما تبيع هذه المحافظ وقت الارتفاع وتشتري وقت النزول قامت الدنيا ولم تقعد, لا بل تتهم بأنها تسعى إلى التأثير في السيولة في السوق المحلية؟
السياسة النقدية في أدبيات علم الاقتصاد تتألف من أدوات ثلاث لا رابع لها، فتغير السيولة في سوق الأسهم من وقت إلى آخر ينظر إليه على أنه تأثير مباشر أو غير مباشر من "ساما" عن طريق شراء الأسهم المملوكة لهذه الصناديق الاستثمارية أو بيعها للحفاظ على المؤشر في حدود معينة.
الغريب في الأمر أن هؤلاء ينسون أو يتناسون أن المملكة تمر بطفرة غير مسبوقة, ولله الحمد, في كل المجالات وعلى الأخص المجالين الصناعي والعقاري. فالمستثمر دائما عينه على الفرص المتاحة, ولعل الواضح لكل ذي لب هو التسابق الحاد على الاستثمار العقاري لما حققه ويحققه من عائد متزايد ومأمون, وهذا قد يفسر رحيل جزء كبير من السيولة من الاستثمار في الأسهم إلى القطاع العقاري, ولا ننسى كذلك الاستثمارات الذكية التي تدخل سوق الأسهم وقت الانخفاض وتبيع وقت الارتفاع.
التفسير العلمي لهجرة الاستثمارات من قطاع إلى آخر هو أن ارتفاع الإنتاجية الحدية (العائد) في أحد القطاعات سيجلب له المزيد من رأس المال إلى أن تتساوى تقريبا الإنتاجبة الحدية في كل القطاعات خاصة في ظل الحرية الاقتصادية وعدم وجود قيود على حركة رأس المال.
"ساما" حددت في السابق أسباب التضخم في المملكة بأنها تنحصر في ارتفاع الغذاء والمساكن, وبناء عليه فإن "ساما" لن تكون لها القوة المؤثرة في معالجة التضخم هنا, بل إن كثيرا من رؤساء البنوك المركزية في كثير من الدول أبدوا قلة حيلتهم تجاه هذه المشكلة. "ساما" في يدها السلاح الفاعل في ظل سياستنا النقدية, وهو نسبة الاحتياطي القانوني ولن تكون له الجدوى المتوقعة كونه يضعف قدرة البنوك على الإقراض وبالتالي يفاقم مشكلة السكن.
حصر كثير من الكتابات أسباب التضخم هنا في ضعف الدولار وارتفاع تكاليف الواردات التي لن تستطيع أي سياسة نقدية محلية السيطرة عليها. نحن لا نعاني تضخم الطلب لأن الطاقة الاستيعابية للمملكة كبيرة، لذا فتقييد السياسة المالية لن يكون له إلا أثر إيجابي في التضخم كونه سيؤدي إلى تفاقم مشكلة الإسكان واختناقات في البنية الأساسية التحتية.
إذا والحال هذه, النظر إلى حجم السيولة في سوق الأسهم وإبقائه في حدود معينة من قبل "ساما" (من خلال الصناديق الاستثمارية ) باعتباره محفزا للطلب الكلي ومحركا للتضخم لا يتفق مع الواقع وفيه كثير من المغالطة.هل هذا يعني أن "ساما" تؤثر في المعروض من النقد؟ لو فرضنا جدلا صحة هذا فكيف تعالج التضخم؟ خاصة أننا أشرنا كما أشار كثيرون إلى ضعف قدرة "ساما" في هذه الحالة.
المطلوب هو التنويه إلى أهمية الوضوح والشفافية خاصة من قبل الجهات الرسمية الحكومية المعنية بقضايا تمس حياة المواطنين ورفاهيتهم. التطمينات الوقتية بأن التضخم سيكون تحت السيطرة في القريب العاجل والتي بنيت على أسس غير علمية صحيحة سيكون مآلها الفشل, وبالتالي تؤدي إلى التوقعات المتشائمة التي تنعكس سلبا على المواطنين.
*نقلا عن صحيفة "الاقتصادية" السعودية.
بواسطةotyo, الأثنين, 14 يوليو 2008 19:15, التعليقات(0)