تأكدت المقولة مرة أخرى أن أسعار الأسهم لن تذهب إلى ما لا نهاية في الارتفاع، بل كلما زاد ارتفاعها ازدادت معه احتمالات الانخفاض فجأة
وهذا الحال دائماً في أسواق الأسهم أينما وجدت ومن دون استثناء، فإذا كان الدرس قاسيا من قبل على بعض أسواق المنطقة العربية عندما شاهدنا حلقات مماثلة في مسلسل من الانخفاضات لا تزال آثارها تلقي بظلالها على غالبية من دخلوا بحثا عن الثراء السريع وراح الجميع يبحث عن الأسباب وتم تبادل الاتهامات هنا وهناك عن المتسبب في الخسائر في رؤوس الأموال التي جاءت نسبة منها من مدخرات وربما قروض، هذه الحقائق التي ظهرت واكتشفها من تعامل مع الأسواق للمرة الأولى منذ خمس سنوات أو أقل، هي في الواقع ثوابت قديمة عرفها المخضرمون في أسواق المال ممن عاصروا الصعود والهبوط لأكثر من مرة، وربما يمكن القول إنهم هم من استفاد فعلا من موجات النزول.
هناك أنواع من السلع والبضائع التي عرفتها البشرية منذ الأزل، ومنها ما هو استهلاكي كل ما ينتج منه يباع ليستهلك ولا يعود إلى السوق مرة أخرى مثل المواد الغذائية والطاقة وهي قابلة للفناء ما لم ينتج غيرها وهذا النوع تزداد أسعاره كلما قل الإنتاج وزاد الاستهلاك. وسلع أخرى غير قابلة للفناء أبدا مثل المعادن الثمينة من الذهب والفضة والبلاتين وغيرها، وكل ما ينتج منها يباع ليحفظ ولا يعود سريعا إلى الأسواق، تزداد أسعارها كلما ارتفعت الرغبة في ادخارها عندما يكون الاقتصاد العالمي مضطرباً وغير واضح وتستخدم كملاذ آمن بديل عن النقد، ولكنها يمكن أن تنخفض عند الشعور بالأمان والرغبة في تسييلها.
ومن خلال التعريفات السابقة يمكن تصنيف الأسهم مجازاً على أنها سلعة دائمة وليست مستهلكة ولكن حجمها محدود بحيث ان عدد أسهم أي شركة محدود ولا تنتج مرة أخرى، والحصول على السهم بعد أن يكون داخل السوق دائماً وحصرياً لا بد أن يأتي بشرائه من حامل سابق له وليس من مكان آخر. ولن يقبل حامل السهم التنازل عنه إلا بعد حصوله على ربح ما، وعندما تشتد المنافسة للحصول على السهم فإن السعر يبدأ بالارتفاع.
تبدأ الكارثة في الأسهم من مستصغر الشرر، عندما تهتز ثقة حامله فيحاول التخلص منه وعندها لن يجد من يدفع السعر المرتفع فيضطر لخفض السعر عند أقرب طلب شراء، وكلما كان الجو العام متوتراً فإن الفرق بين سعر العرض والطلب يبدأ بالتباعد حتى نصل إلى ما يعرف بالانهيار إلى ما دون السعر العادل.
فإذا كانت الثقة تبنى فإن ارتفاع الأسهم دائماً يأتي بفترة زمنية طويلة، وعندما تهتز الثقة يأتي الانهيار في لحظات، تماماً مثل البناء حيث العمال والمهندسون يأخذون سنوات كي يشيدوا البناء، بينما الهدم قد لا يستغرق ساعات. إذا هي الثقة ضالة المستثمرين ومفتاح الاستقرار وتدفق رؤوس الأموال بهدوء من وإلى السوق، وهي لا تباع ولا تشترى ولكنها تتراكم من قناعة المستثمر بوجود المناخ الصحي الذي يطمئن فيه على أمواله.