المستثمرون العرب _الاسهم السعودية المستثمرون العرب _الاسهم السعودية   المستثمرون العرب التسجيل البحث كتب في الاسهم والفوركس والعملات برامج البورصة والفوركس والعملات وكل ما يخص الاسهم المستثمرون العرب _الاسهم السعودية المستثمرون العرب _الاسهم السعودية
 




للإعلان لدينا للإعلان لدينا للإعلان لدينا

Google
 


العودة   المستثمرون العرب > الاقسام العامة > أقـلامكم وابداعاتكم

أقـلامكم وابداعاتكم هنا نكشف عن ابداعاتكم. نسافر معكم في أجمل ما كتب في الخواطر ، الشعر والقصة القصيرة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 14-11-2007, 11:18 PM رقم المشاركة : 1
مسجل حديثا





منهج النسيان غير متواجد حالياً

منهج النسيان عضو مناضل

افتراضي حروه

حــــــــــــــــــــــروة


بقلم الكاتب/ عبد الله العطوي


بالرغم من أن البدو يتمتعون بصفة النخوة والتكاتف فإن حياتهم لا تخلو من الهفوات والمشاكل العائلية, وهذه إحدى محاور روايتنا. حيث كانت هنالك بادية عبارة عن عشيرة تسكن الصحراء, بيوتهم من الشعر ويرعون الغنم والإبل. وفي مؤخرة البيوت كان هناك بيت صغير يقطنه رجل فقير يدعى سالم , توفيت زوجته منذ سنوات وتركت له ابنتان ويعتبر أفقر العشيرة, وله شقيق يدعى سليمان ميسور الحال, له أربعة أولاد أكبرهم يعمل تاجراً في القرية. وتعتبر زوجة سليمان العقل المدبر تسوقهم حيث تشاء, وكانت تحرض زوجها سليمان وأولادها بعدم التقرب لعمهم سالم أو مساعدته. أما العم سالم فحرص على تربية بناته, ولم يحاول الزواج مرة أخرى لعدم مقدرته على الزواج ومتطلباته ورغبته في عدم إدخال زوجة أب لبناته.
لم يدم الحال طويلاَ حيث تقدم شاب من العشيرة يدعى فهاد وتزوج من سعدى - الابنة الكبرى لسالم - وانتقلت سعدى إلى بيت زوجها, وبقيت حروة - الابنة الصغرى - التي شاءت الأقدار أن يتقدم لها ابن عمها كريم ذلك الذي يعمل تاجرا في القرية, وانتقلت حروة أيضا مع زوجها إلى القرية وبقي سالم وحيدا تقوم ابنته سعدى على خدمته بين فترة وأخرى .
ارتاح سالم بعد زواج ابنتيه ومرت السنين على سالم يعاني الوحدة والفقر معا, أما سعدى فقد أنجبت ثلاثة أولاد وبنت وكبرت مسئولياتها تجاه زوجها وأطفالها , ولكن رغم ذلك كانت تخدم والدها سالم . وأما حروة فقد أنجبت بنتان لكن زوجها لم يكن راضيا بذلك, ويرغب في إنجاب ولد ذكر يحمل اسمه. فأصبح يعامل زوجته حروة بقسوة رغبة في تطفيشها, لكنها كانت صابرة لأجل بناتها وحملها الجديد. وحسب توجيهات وإصرار والدته بدء كريم بالتفكير بالزواج من أخرى, فتنجح أمه وهي العقل المدبر في إقناعه ويتقدم لخطبة هند - ابنة شريكه التاجر مسعود - , هند ذات الجمال والدلال مشبعة بالغرور وحب الذات, وتشترط لموافقتها على الزواج بكريم إبعاد زوجته حروه أو تطليقها.
أخذ كريم يفكر بالطريقة التي تخلصه من زوجته وابنة عمه حروه, ولم يكن راغبا في تطليقها فرأى إبعادها إلى البادية مع بناته أهون بكثير. أخبرها كريم برغبته في السفر لجلب بضاعة لمتجره من إحدى المناطق البعيدة عن القرية, ليجد حيلة يقنع بها حروة بالبقاء في البادية حتى يعود , ومع اقتراب موعد ولادتها ستكون بقرب أهلها ليعتنوا بها فترة غيابه.
لم تكن حروه قد اقتنعت بتلك الأكذوبة, ولم ترق لها فكرة العودة إلى بيت والدها سالم ولكنها لم تبدي ممانعة لترضي زوجها, وحتى يكون تعاملها معه رغم ما صدر منه نابعا من حسن تربية والدها لها ومعرفتها بقيم الحياة الزوجية والترابط الأسري. ذهبت حروه وبناتها إلى البادية , عادت إلى الأب الحنون والبيت الصغير الذي تربت فيه وخرجت منه زوجة شابة لتعود بعد سنين أم لطفلتين وفي أحشائها جنين وبين أضلعها قلب يمتلئ بالطيبة والحنان رغم جراح الرحلة. عاد كريم أدراجه إلى القرية ليلقي بخبر خلاصه من زوجته وأطفاله على هند محبة الذات والمغرورة بجمالها . والآن وقد تحقق لهند شرطها بدأ كريم بتجهيز بيته الذي كانت تسكن فيه حروة ليسكنها فيه وتقام الأفراح ويتم الزفاف.
***
في هذه الأثناء جاء موعد ولادة حروة, كانت حروة تعتصر ألم المخاض وزوجها يحفه الأهل والأقارب مهنئين وفرحين بزفافه. أنجبت حروة طفلا أسمته سالم على اسم والدها , تقديرا لتضحيته. وبعد مضي فترة من الوقت كانوا ينتظرون رجوع كريم من السفر, والذي كان في شهر العسل لكنه لم يعد. أصيبت حروة بنزيف بعد الولادة لكنها لم تخبر به احد إلا أختها سعدى, والتي أحضرت لها بعض الأعشاب التي لم تنفع في علاج مرضها فتطور بفعل النزيف إلى شلل رباعي أفقدها القدرة على الحركة.
عندما علم كريم زوجها بالخبر أتى إلى البادية ليأخذ زوجته إلى المستشفى بالمدينة, ولكن كان الوقت قد فات وفقد الأمل في شفائها , حيث اخبره الطبيب باستحالة ذلك ليعيدها كريم بعد ذلك إلى البادية مرة أخرى ويضعها عند والدها سالم, ويأخذ معه ابنتيه والمولود الجديد في مشهد مأساوي لا يتماشى مع ابسط التعاملات الإنسانية بين زوجين وأبناء عم .تجرد كريم من كل عواطفه وأغلق نداء القلب , وهو العالم بأحوال زوجته وظروف عمه سالم وحالتهم المادية الصعبة.
مرض الزوجة وفقر الأب وسلب الأبناء من حضن والدتهم أمور قد لا يحتملها إلا من ألهمه الله قوة العزيمة والصبر على المكارة. فوض سالم أمره إلى الله وحمل مأساته على كاهله بنفس تملؤها الحسرة وقلب يتفطر على ما آل إليه حال ابنته الصابرة على قدر الله .لم يكن سالم وابنته حروة يتوقعون كل هذه القسوة والجحود والنكران من كريم .وبدأ سالم يبحث بكل صبر وعزيمة وعلى قدر إمكاناته القليلة عن علاج لابنته حروة, فتتكرر المحاولات ليتكرر الفشل, ولكن لم يتمكن اليأس من سالم فلا زال الأمل يراود نفسه في شفاء ابنته.
***
تمر الأيام والسنوات وتجف الأرض ويشح الماء ويقل المرعى وكعادة أهل البادية تجتمع العشيرة وتقرر الرحيل من هذا المكان إلى مكان آخر, تتوفر فيه المياه والمراعي. بدأ الكل يحضر أمتعته للرحيل إلا سالم الذي لم يحرك ساكنا, لم يكن راغبا في الرحيل مع عشيرته فحالته المادية وحالة ابنته الصحية ونفسه الكريمة تحول دون ذلك . ترحل العشيرة ويحاول البعض إقناع سالم بالرحيل معهم عبثاً ودون جدوى. بقي سالم يتجرع الآم الفقر والوحدة وحالة ابنته حروة .وتتمسك سعدى ابنته الكبرى بضرورة البقاء إلى جانب والدها وشقيقتها حروة وهما في أمس الحاجة إليها , لكن زوجها يرفض البقاء وترفض هي الرحيل . وموقف مأساوي آخر يعصف بهذه الأسرة الفقيرة . يرحل فهاد ويصطحب معه أبناءه تاركا أمهم التي قررت البقاء مع أبيها وأختها المشلولة في قرار يجسد الوفاء والأصالة وتغلب العقل والمنطق على العاطفة. تصرخ سعدى الأم في استجداء ترجو فهاد أن يترك لها أبنائها, ويصرخ الأطفال رجاء بقائهم معها ويصم قلب فهاد أذنيه في قسوة غريبة وإصرار عنيد متجبر . وطرف ثالث يقطر قلبه ألما وحسرة على ما آل إليه مصير ابنتيه, فهذه أقعدها المرض وهذه أقعدها الوفاء وما ترى فيه واجبا كبيرا نحو أسرتها ودين يحمله عنقها لذلك الأب المسكين الذي ضحى بكل شيء من أجل ابنتيه. أمور تحمل الإنسان على التفكير وإمعان النظر في قوة الصبر في صحراء خاليه في فقر وقلة مورد, وأحوال أب مع ابنتين إحداهما مريضة بالشلل, والأخرى يعتصرها العذاب ويشقيها الفراق ويحدوها الأمل وتتفاعل في نفسها مسئولية رعاية والدها الذي تعانده الظروف وتعصف به المشاكل ويخذله القريب, وأخت لا تقوى على النهوض وتعيش مأساة جحود الزوج وفراق الأبناء.
جمال الصحراء وسحرها وروعة ليلها وصفاء نهارها يعكره ما سببته لهذا الرجل عاشق الصحراء بصفائها ونقائها من مآسي, وهو الذي تربى على ترابها فأرضعته الوفاء وأطعمته الشيم ومكارم الأخلاق وغرست فيه النخوة والصبر والجلد. لم يستسلم ابن الصحراء سالم لما هو فيه ولم ييئس ولم يقف موقف العاجز . اخذ يفكر ويجيل الفكر مرات ومرات ليقرر في إصرار وعزيمة أن يبحث لابنته حروة عن علاج فأمله في الله كبير. أب وابنتاه تخلى عنهما أزواجهما وفقدتا أطفالهما وتحملت الأولى فراق الأبناء والزوج والثانية فراق الأبناء والزوج والصحة, أي قلب لا يتفطر لهذه القلوب الطاهرة والأنفس الصابرة والظروف القاسية القاهرة.
لم يكن لسالم معارف أو أصدقاء سوى رجل في قرية مجاورة إلتقاه مصادفة فدعاه الرجل إلى منزلة وسأله عن حاله كعادة الناس واستوضحه حقيقة أمره فعلامات الحزن تكسو وجهه والألم العميق يفضح سكونه . ظن الرجل أنها قد تكون ضائقة مادية أو خلافات أسرية يسهل حلها . لكن مأساة سالم اكبر وجرحه أعمق, فقد فعلت سنين العذاب فعلتها وأثقلت على سالم وطأتها, فاجتثت من قوة صبره وشدة تحمله ليتجرأ فيشكو حاله إلى صديق, وقد سدت الأبواب في وجهه وخذلته الحيلة في أمره .
أي مأساة هي مأساته وأي الم هو ألمه, ذكر سالم لصديقه القصة التي تعصف بكل كيانه, قصة ابنتيه وما حدث لهن ومرض حروة وهو الجرح الغائر في قلبه. حروة الباكية في صمت الشاكية في خضوع, الأم بلا أبناء والزوجة بلا زوج والمريضة بلا علاج هذا أمرها, وهو عليها شديد ثقيل تحمل فوقه هموم والدها وشقاء وشتات شقيقتها؛ فلولا ما حصل لها لكان الأب مع عشيرته والشقيقة مع زوجها وأبنائها. تحمل حروة كل هذه الآلام والهموم وتحمل سعدى همومها وهموم أبيها وشقيقتها, ويأتي دور الأب الشهم ليحمل كل هذه الهموم ويضيفها قادرا صابرا إلى همومه الأخرى في أروع مثل على قوة التحمل والصبر .لم يملك صديقه إلا أن يعينه تفكيرا وتبصيرا بعد أن دعا له ولأبنتاه بالخير وشحذ فيه التحمل والصبر والتوجه إلى الله بالدعاء, أعطاه عنوان طبيب ماهر يعرفه الصديق ليعرض عليه حال حروة. فكر سالم بالمصاعب الكبيرة في حملها للطبيب ما لم يكن هنالك بارقة أمل في شفائها فصعوبة حالتها الصحية وحالة الأب المالية والحالة النفسية التي قد تصاب بها حروة عندما تصدم بأن حالتها أصبحت ميئوس منها.
دارت الدنيا بسالم وقذفت به في اتجاهات متعددة . كيف يأخذ أبنته إلى طبيب المدينة؟ وكيف..؟ وكيف...؟, فالمسافة بعيدة والطريق وعرة. ولكنه يملك إصرارا عنيفا في داخله على طرق كافة السبل. وصل سالم إلى المدينة التي بها الطبيب كي يشرح له أمر ابنته دون إحضارها. ولكثرة الأفكار التي تعصف به وهو في شارع مزدحم هم بعبور الشارع لتقف السيارات مفسحة له الطريق, ولكنه بعفوية ابن البادية اتجه إلى إحدى السيارات ليسأل قائدها, ناوله الورقة التي بها عنوان الطبيب فطلب الرجل من سالم أن يركب إلى جانبه فلا وقت للحديث أمام ازدحام الطريق بالسيارات وسرعة الحركة وكان الوقت ظهرا. لم يسعف الوقت سالم فلا يمكن أن يقابل الطبيب إلا في الفترة الصباحية أو المسائية بعد العصر, وكان لابد له من الانتظار حتى يزور الطبيب في عيادته عصرا , فرغب صاحب السيارة إيصاله إلى أي مكان آخر ولكن سالم لا يعرف في هذه المدينة أحد وكل همه أن يقابل الطبيب ليعود بعد ذلك إلى البادية, فحال ابنتيه يؤرق تفكيره ويعكر صفو حياته إن كان قد بقي لحياته صفو .
خالد شاب طيب شهم, تحرك في داخله شعور غريب لمساعدة سالم, وكان الله قد شاء له أن يكون عنصرا فعالا في أحداث قصتنا. خالد هو صاحب السيارة التي اتجه سالم إليها ولأنه ابن المدينة فهو يعرف عنوان الطبيب ومواعيد عمله, وافق سالم وهو لا يملك إلا أن يوافق على استضافة خالد له في بيته لحين الذهاب إلى الطبيب, فأكرم خالد ضيفه وأحسن استقباله والاستماع إلى مشكلته. تنهد سالم تنهيدة طويلة خرجت من صدر يحمل هموم لا تحتمل, أعقبتها دمعة شيخ كبير لو نزلت على صخرة لتفتت من حرارتها ثم أعقبها بزفرة كادت أن تشق صدره الواهن, وتمنى لو أن الله جلت قدرته رزقه بولد ذكر يحمل معه مسئولية الابنتين, فقد شاخ وشاخت قواه ولم تشخ عزيمته فأين السند والأيام حبلى بكل جديد.
تتحرك النخوة الأصيلة في نفس خالد لتظهر الأصالة والنبل فيه عندما قال لسالم وقد اقترب منه وقبل جبهته إكبارا واحتراما:
- أنا ولدك وسوف افعل كل ما في وسعي لخدمتك وتقديم كل ما تريد . انزع اليأس من نفسك ولنبدأ خطواتنا الأولى لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
كانت كلماته هذه مبعث أمل لسالم فقد اطمأنت نفسه وهدأت من هول مأساته, وقد أيقن أن الله سبحانه استجاب دعائه ورعاه برحمته حين سخر له من يعينه ويبصره .وحين قابل سالم الطبيب وشرح له حالة ابنته حروة , رفض الطبيب بإصرار, العالم بمشاكل الأمراض وصعوبة التكهن فيها, وأكد لسالم ضرورة إحضار حروة إلى العيادة . وهنا بدأت بوادر النبل تظهر من خالد الذي أبدى عزمه الصادق على مرافقة سالم إلى البادية لإحضار حروة . بدأ خالد ينادي سالم بلقب " والدي" وهذه لفتة من خالد تدل على الصدق.
***
رأى خالد الحالة الصعبة التي يعيشها سالم في وسط الصحراء في هذا البيت الصغير والظروف القاسية, رمال تحيط بالبيت من كل جانب وصحراء قاحلة مقفرة وسكون لا يتخلله إلا صوت ريح ونباح كلب وثغاء شاه أو آهة ضعيفة تخرج من صدر فتاة مقعدة تحمل كالطفل من مكان إلى آخر في مشهد يعصر القلب ويبعث الشفقة . لم يكن سالم يملك إلا هذه الشياه القليلة فآثر ضيفه على نفسه وأهله وذبح إحداها إكراما لخالد, وهذا أمر ليس غريب على ابن البادية فالكرم والإيثار جزء منه ومن عاداته تقاليده وخالد يستحق هذا التكريم المؤثر والمعبر.رأى خالد ما أذهله فأمور كهذه لا يمكن أن يصدق حدوثها, وتضاءلت في عينه كل المشاكل التي كان يرى أنها كبيرة في محيطه أمام هذه المأساة الأليمة وهذه الحياة القاسية والظروف الصعبة, أيام وليالي متشابهه لها إيقاع واحد.
***
وتشرق شمس يوم جديد وتشرق معه الآمال والأحلام وتتطاول الأعناق ويرون المدينة اقرب إليهم من خطوات . حمل الأب وخالد وسعدى حروة إلى السيارة وكأنما تزف إلى عرس ليس إلى طبيب, تكاد تصوراتهم تقول أنها في الطريق إلى الشفاء التام .
يتفحص الطبيب حروة ولما لم يجد ما يقوده إلى شفاءها أعلن لهم أن لا أمل في الشفاء التام فقد فات الوقت وطالت مدة المرض, ولم تظهر التحاليل والأشعة أي بارقة أمل, قال الطبيب:
- ولكن لو أمكن وضعها في مكان نظيف فتحصل على عناية خاصة وتتغذى تغذية جيدة تعين يديها على الانطلاق والحركة وتساعدها على التمكن من استعمال رجليها أيضا, فيكون لها بعد ذلك أن تأكل وتشرب بيديها دون مساعدة.
وقف الجميع كل يحاول تهوين الأمر على الآخر والتمسك بالأمل .رفض خالد الاستسلام لواقع الأمر وعرض على سالم إدخال حروة المستشفى لعلها تكون في حال أحسن, وحتما فالمستشفى أفضل بكثير من بيت في الصحراء.
ولكن لم يخلو الأمر من عقبات, فمن أين لسالم ابن الصحراء الفقير المعدم الرجل الأمي أن يستخرج أوراقا ثبوتية له ولأسرته. ولكن خالد لم يستسلم فأخذ يفكر في طريقة عاجلة تضمن دخول حروة إلى المستشفى بدون إثباتات رسمية .
وبعد تفكير وتبصير نجح خالد أخيراً وتم إدخالها عن طريق الطوارئ كحالة مستعجلة, وسجلت بمعرفة خالد وبوعد أن يحضر الإثباتات لاحقا, ولكن سالم لم يرغب أن يتورط خالد في تحمل المسئولية أمام أنظمة الدولة. أدخلت حروة بعد أن فحص حالتها طبيب الطوارئ ليتم عرضها على الطبيب المختص في اليوم التالي, وعاد خالد بسالم وسعدى إلى منزله ليقومون بزيارتها في اليوم التالي. أمور كهذه تساهم إلى حد ما في تخفيف المشكلة رغم أنها محفوفة بخطورة أخرى وهي عدم توفر الإثباتات الرسمية وهى مخاطرة غير سليمة من خالد فالقوانين لا تسيرها النوايا .قابل سالم في اليوم التالي الطبيب المختص وبين أسئلة الطبيب وأجوبة الأب التي كشفت كل شيء حول مرض حروة, وما تلا ذلك من سوء رعاية طوال عشر سنوات تلت مرضها عاشتها في الصحراء .قرر الطبيب ابقاء حروة في المستشفى تحت الرعاية الطبية والإشراف المستمر, ولتخضع لعلاج طبيعي سيساعدها على تحريك أطرافها.
رفض سالم اقتراحا من خالد الذي شعر بخطورة ما فعل لما طلب منه أن يستخرج الأوراق الثبوتية له ولبناته. أصر سالم على العودة إلى بيته في البادية فهنالك أيضا ماشيته التي ستنفق إذا لم يرعاها ويهتم بها وهي كل ما يملك من مال. حمل سالم الأمانة إلى خالد بكل ثقة وهو الذي عرف بفطرة ابن البادية معدن خالد وأصالته. حاول خالد ألا يجعل المسئولين في المستشفى أن يعرفوا بمسئوليته عن حروة حتى لا يطالبوا بإخراجها, لأنه حريص على بقائها في المستشفى لتحصل على رعاية كاملة. ومع صعوبة الإشراف المباشر عليها أخذ يبحث عن وسيلة أخرى لاهتمام أفضل وإشراف اشمل.
***
أمل الشابة الخلوقة والتي تعمل كممرضة في المستشفى وبنفس القسم الذي وضعت فيه حروة تفاجأ بإصرار خالد على التحدث إليها وطلبه الغريب أن يحدثها على انفراد . ولكنها تصر على الرفض ويصر هو على التحدث إليها فلكل منهم دوافعه . صرح خالد لها أن حديثه معها هو بخصوص موضوع إنساني بحت, فتقبل أمل بدافع نبع من عملها الإنساني على أن يتحدث إليها ولكن داخل المستشفى.
يتم اللقاء, ويشرح خالد ظروف حروة, وأن غايته هي أن يكون على علم بأحوالها بصفة مستمرة على أن يكون بعيدا عن علم المستشفى حتى لا يتم إخراجها منه . وافقت أمل بعد أن علمت بتفاصيل علاقته بحروة ووالدها, وقد اشترطت أيضا أن يكون أي حديث لاحق بينهما حول هذا الموضوع فقط وداخل المستشفى. تكررت اللقاءات وتبادل المعلومات حول حروة, وكان لا يمكن أن تمر الأمور دون مجاملات وكلمات إطراء وشكر وأن يتخللها كلمات رقيقة وان كانت سطحية المعنى؛ إلا أن فطرة الإنسان جبلت على تخزين بعض الكلمات أو الجمل في ذاكرة العقل, قد يعود إليها الإنسان أو قد يكون لها تأثير مباشر على حاسة ما من حواسه.
تطابق حديث خالد لأمل عن حروة, وما ذكرته حروة نفسها لأمل عن وضعها وحالتها وعلاقة خالد بأسرتها, فازدادت عزيمة أمل في خدمة حروة وطمأنة خالد. فكانت تساعد حروة في تناول الطعام والدواء, وتنفذ طلبات خالد في الحرص والعناية بحروه. ولكن لم تجري الرياح بما تشتهي السفن فتقفز إلى ساحة الأحداث مشكلة أخرى, فقد طغت الغيرة على تفكير زميلات أمل في القسم ورأين فيما تفعل أمر يثير حولها الشكوك, فهاهي أمل تعتني بحروة عناية خاصة ثم هي تذهب للقاء رجل غريب في مقهى المستشفى وبشكل يومي . حاولن معرفة الدوافع والأسباب لأسلوب تعاملها مع حروة والربط بينه وبين لقائها اليومي بهذا الرجل ولكن عبثاً .
اتصال تلفوني لأجل أمل وترد إحدى زميلاتها, سأل المتصل عن أمل فوجدت الزميلة الفرصة المناسبة لتخبر المتصل أن أمل تجلس في مقهى المستشفى مع رجل تقابله كل يوم في نفس المكان ونفس الوقت. صعق المتصل ولا ريب فهو شقيق أمل, واستوضح محمد شقيق أمل عن الشخص فأخبرته الزميلة أنه شخص من خارج المستشفى يأتي لمقابلتها.
تفاجأت أمل أن شقيقها محمد ينتظر عودتها على أحر من الجمر, وازدادت الأمور صعوبة وتعقيدا فما أن وقعت أمل في هذه الورطة حتى لحق بها خالد في ورطة أخرى. حيث باتت الشكوك تحوم حول شخصية حروة, ومن الذي ادخلها المستشفى, وهل ما حدث لها نتيجة حادث أو جريمة, وهل المعلومات التي أوردها والدها حقيقة أم لا, بل هل سالم هو والدها فعلا. كل هذه الشكوك والأسئلة الحائرة دفعت بالمستشفى للجوء لرجال الأمن والاستعانة بهم في هذه القضية.
وأمام المعومات المتوفرة لدى الشرطة عن الأشخاص الذين ادخلوها المستشفى كان خالد هو الشخص الوحيد المعني بهذا الأمر. ألقي القبض على خالد وتم استجوابه ولم تكن كل المعلومات التي أدلى بها تقنع رجال الأمن دون دليل ملموس وحقائق واضحة, وهاهو خالد يقبع في السجن حتى تنجلي الحقيقة.
***
أطلع محمد شقيق أمل والديه على المعلومات التي عرفها عن تصرفات أمل, وأصبحت أمل محل شك عائلتها. انهالت عليها الأسئلة كالسيل العارم, الكل يسأل والكل يريد أن يعرف, من هو هذا الشخص؟, ما هي العلاقة التي بينكما؟, كيف عرفته؟, أسئلة كثيرة وشكوك ونظرة غاضبة وكلمات لا تخلو من التأنيب والتهديد والوعيد, عيون تجحظ وشفاه ترتجف وأيدي تتوعد وعقول أعمتها المفاجأة . وما إن وجدت أمل فرصتها لإسماع عائلتها صوتها حتى طمأنت الجميع بأن ليس لديها شيء تخفيه, وأنها ستخبرهم بالأمر على حقيقته, هدأت النفوس إلا من بعض وساوس الشيطان التي لا تهدأ . طلبت أمل من شقيقها محمد أن يحضر إلى المستشفى للقاء ذلك الرجل . حضرا حسب الموعد المعتاد ولكن خالد لم يحضر , وانتظراه طويلا ولكن كيف سيحضر وهو سجين؟, تكرر حضور محمد ليتكرر غياب خالد .
كانت الشرطة قد استجوبت حروة بعد القبض على خالد, وبذلك عرفت حروة بسجن خالد وعندما شكت أمل لها غياب خالد أخبرتها أنه مسجون بسببها. تحركت أمل بسرعة لتخبر شقيقها وتطلب إليه زيارة خالد في السجن.
كثرت الشكوك حول خالد وأن ما أصاب حروة كان بسببه, فأين أسرتها؟, لماذا لا يزورها احد؟, من هي حروة؟. ذهبت زوجة خالد إلى خالد في سجنه لتستوضحه حقيقة سجنه, ولكنه لم يكشف لها كل شيء, فذهبت لترى حروة وتستوضح منها أكثر. وحين ذهبت إلى المستشفى تلقفتها إحدى زميلات أمل لتصب في أذنها سم الغيرة, وتخبرها بعلاقة غير صحيحة بين زوجها وأمل, ثم حالت هذه الزميلة بحقدها وغيرتها بين زوجة خالد وحروة حتى لا تعرف الحقيقة كما هي, وصورت لزوجة خالد مدى ما وصل إليه خالد وأمل من العشق واللقاءات اليومية . ذهبت زوجة خالد إلى بيت أهلها جريحة مكسورة الخاطر مطعونة الكرامة بسبب ما عرفته عن زوجها.
روى خالد للضابط كامل قصة حروة وعندما لمس الضابط صدق خالد في سرد القصة منحه الفرصة في إحضار والد حروة. عاد خالد بوالد حروة من البادية, وسالم يعتصر من الألم لما سببه لخالد من سجن ومساءلة ومشكلته مع زوجته. وفي الوقت الذي ذهب فيه خالد إلى البادية لإحضار سالم كان محمد قد ذهب للقائه في سجنه, وحين لم يجده تحدث إلى الضابط الذي يتولى القضية, بعد أن روى له دور شقيقته فيها. أدرك الضابط أن دوره يحتم عليه كشف الدور الذي كانت تقوم به أمل فإذا لم تكشف الحقيقة لعائلة أمل وهم الذين يسعون جاهدين لمعرفتها فقد تنشأ قضية أخرى. استطاع هذا الضابط - بشهامته وحسن إدراكه وثاقب بصيرته - أن يضع محمد في عمق الموضوع لتتكشف له كافة الأمور ومن كافة الزوايا, وأوضح الضابط له أن رجلا مثل خالد في نبله وشهامته وإنسانيته لا يمكن أن تجتمع فيه كل هذه الخصال الحميدة مع سوء النية والأخلاق. وجد محمد في خالد وقد توضحت الأمور على حقيقتها رجلا يفخر بمعرفته, فنشأت بين الرجلين علاقة متينة وقوية مبنية على الثقة واعتزاز كل منهم بالآخر.
فهم سالم من الضابط ما يجب معرفته من الأنظمة والقوانين, التي تسبب جهله بها إلى كل ما حدث. بادر سالم باستخراج الوثائق ثم عاد بعدها إلى البادية, وقد عقد العزم على إعادة سعدى إلى زوجها بعد طول فراق. فبعد أن اقنع سعدى بعدم جدوى بقائها لديه, فهو قادر على خدمة نفسه, وأختها حروة في المستشفى تحت عناية أفضل وأن زوجها وأولادها هم أحوج إليها منه, لحقت سعدى بزوجها وأبنائها وذهب هو يجوب الصحراء بحثا عن عشيرته.
عشر سنوات مضت من عمر سعدى الوفية كادت ألا تعرف أبنائها لولا حاسة الأم وتهافت أبنائها عليها وارتمائهم الواحد تلو الآخر في أحضانها, واختلطت الدموع في عناقات حارة بين الأم وأبنائها ولف الصمت في مشهد تناثرت فيه دموع الجميع فرحا باللقاء, انثنت سعدى فرحا وتيها فقد عادت لأطفالها وزوجها واكتملت فرحتها وهي تسمع المديح والثناء على قوة تحملها وصبرها وعلى برها بوالدها وعنايتها بشقيقتها, فعلا لقد كانت سعدى مثالا للصبر والتضحية والوفاء, وتستحق أن يفخر بها أبنائها ويفاخروا بها إذا كبروا وتنال منهم البر والرعاية الحقة.
***
تكررت لقاءات خالد ومحمد وطلب محمد من خالد أن يزورهم في المنزل, وافق خالد دون تحديد موعد لهذه الزيارة. كرر خالد أكثر من مرة لمحمد أسفه واعتذاره لما سببه لأمل من إشكالات غير مقصودة وأشاد أيضا بمواقفها النبيلة تجاه حروة. تمكن خالد بعد كل الأحداث العاصفة التي مر بها أن يزور حروة, ويتكلم إليها مباشرة بحضور أمل أو بدونها.
وبالرغم مما تعاني منه من حالة مرضية وبعد عن الأب والأخت إلا أن تفكيرها يشغله أمر آخر, رأت أن تصبر عليه وتتجرع مرارته على أن تقحم خالد مرة أخرى في مشاكلها, وما تشعر به وتتمنى الوصول إليه مهما كلفها الأمر .لقد كان الحنين إلى أبنائها ناراَ تشتعل في صدرها وأمر يشغل المساحة الكبيرة من تفكيرها, لم تغمض لها عين ولم تجف لها دمعة ولم يهدأ لها بال طوال السنوات العشر الماضية وهي لا تعلم مصير أبنائها. ومع اجتماع كل هذه الأمور عليها عجز فاها عن السكوت فانطلقت منها الكلمات فيما يشبه التوسل والاستعطاف, وقد نفذ صبرها وتاهت بصيرتها وتأكد لديها جحود ابن عمها زوجها السابق كريم. استمع خالد إليها بحزن الأخ وإشفاق الإنسان, واستشعر أن السنين والمرض لم يلجما عاطفة الأمومة لدى حروة, وتيقن أن صبرها طوال السنين الماضية كان وراءه حرج في نفسها وهي ترى الجميع يبذلون الجهود الجبارة من اجلها والمشاكل تنال كل من يقوم على مساعدتها, وهاهي اليوم ترى في خالد الركن الآمن الذي تستند إليه والأخ الوفي الذي لن يخذلها.
لم يتوانى خالد في أن يبذل جهده ليجمعها بأطفالها مهما كلفه ذلك من جهد وحرج. أخذ خالد عنوان زوجها السابق وقد عقد العزم على لقاءه, وبذل الجهد لإقناعه بضرورة أن ترى حروة أبنائها وان يجتمع شملها بهم بعد طول فراق .
***
سالم ابن كريم من زوجته حروة في العاشرة من عمره, تتردد الكثير من ملامحه إلى جده سالم. تميز عن من هم في مثل سنه بذكاء حاد وسرعة بديهة واتزان في كل تصرفاته, لم ترضعه والدته حروة حليبها فقط, بل قوة تحملها وصبرها فغدا صبيا صبورا. كانت تصرفاته المتزنة وصلابة مواقفه مثار غضب وحنق هند زوجة أبيه, ومدعاة لئن يمتلئ قلبها كرها وحقدا عليه وعلى شقيقاته اللاتي لا يختلفن عنه كثيرا.
ما أن طرق خالد باب كريم حتى خرج إليه سالم الطفل, رحب به كالرجال وأحسن استقباله, فبادره خالد بالسؤال أنت سالم ؟, وأخذ يسأله عن أحواله. أجابه الطفل بسؤال علق بذهن خالد واستشف منه الإجابة على كل ما يمكن أن يطرحه عليه من أسئلة, قال الطفل سالم لخالد:
- هل سترفع عنا الظلم لو قلت لك أننا غير سعداء؟.
وقبل أن ينطق خالد بشيء ووسط ذهوله من سؤال الطفل, وصل الأب كريم مرحبا بخالد وهو لا يعرفه, فأستأذنه خالد أن يتحدث إليه على انفراد .لم يستسغ كريم تدخل خالد في أمر أبناءه ووالدتهم, واعتبره غريبا لا يحق له محاسبته على تصرفاته السيئة مع حروة, وتخليه عنها في أحلك الظروف والعذاب الذي نال عمه سالم بسببه. لم يتقبل كريم هذا الحديث من خالد ولم يكن خالد ليستسلم وقد لمس الغرور والتعالي من كريم.
لقد أصبحت حروة في نظر كريم ماض يجب الكف عن الحديث فيه, وأصبحت ميتة في علم أطفالها. ولكن خالد حاول أن يتلمس بقايا الجوانب الإنسانية في كريم مع تلميحات لم تخفى على كريم بأن رؤية حروة لأبنائها أمر لا مفر منه, وسيحدث بطريقة أو بأخرى, جعلت كريم يفكر أكثر من مرة قبل أن يغلق الأبواب في وجه خالد, فقد استيقن أنه أمام إصرار عنيد ورجل يعرف ماذا يريد, وكيف يصل إلى ما يريده. لقد كان كريم وزوجته هند قد كذبوا على الأطفال فاخبروهم أن والدتهم قد ماتت, لذلك لم يقبل كريم أن يبدو كاذبا أمام أطفاله, فاتفق مع خالد أن ترى حروة أبنائها ولكن دون أن يعلموا أنها أمهم. فوعده أن يأخذ الأطفال برفقته إلى المستشفى بحيلة ما, بأن يزعم أنهم ذاهبون لزيارة قريبة لهم ترقد هناك, على ألا تتحدث إليهم حروة وتكتفي بالنظر إليهم.
موقف غريب, أي قوة وجلد لدى حروة الضعيفة المريضة المثقلة بكل الهموم تمكنها بالاكتفاء بنظرة تمتزج باللهفة والحرقة, كيف لها أن ترى أطفالها دون أن يسمح لها بالحديث معهم وضمهم إلى صدرها الذي يكاد أن يتفطر شوقا إليهم؟, ولهفة عشر سنوات من الفراق تنتهي بنظر دون عناق وأمل يطويه الفراق. وافق خالد على شروط كريم مؤمناً بأن الغيث يبدأ بقطرة, وطريق الألف ميل يبدأ بخطوة, بهذه الكلمات الحزينة من خالد بدء حديثه إلى حروة ليشد من عزيمتها ويطلب منها الالتزام بشروط كريم ليصدق بوعده له, في الوقت الذي سيحقق لها أمنيتها في مشاهدة أطفالها وبوعد منه أن الأمور ستتغير لصالحها إذا هي صبرت وتركته يرسم خطة ناجحة بإذن الله لصالحها وصالح أطفالها, وافقت حروة وقبلت بكل هذا الجور والظلم من كريم . ألا يكفي ما تجرعته منه في الماضي, وما تعيشه الآن؟, حتى يتسلط عليها في أيامها القادمة فيحرمها من أطفالها إلى الأبد, ويحكم عليها بالموت وهي على قيد الحياة. ولكن ثقتها بخالد تغلبت على ثورة عواطفها, وجعلت استسلامها للأمر الواقع نصرا يسجل لصالح أيام قادمة تحمل الأمل .وتمضي الأيام بطيئة ثقيلة على نفس حروة تعد الدقائق والساعات تخال أن بينها وبين نهاية الأسبوع دهرا, وأن الأيام أصبحت شهوراً.
وفي اليوم المحدد بقي خالد ينتظر أمام باب المستشفى, وقد استبد به القلق وأثقلت عليه الأفكار المتضاربة وطأتها لعدم ثقته بكريم, موعد الزيارة يقترب والأنفاس تتلاحق, وتمسك أمل بيد حروة في إشفاق, وتحتضنها بين الفينة والأخرى ترجوها أن تحتمل الموقف بشجاعة, وان تتماسك حتى لا تفسد أمورا قادمة تعوضها صبرها وجلدها. لم تستطع حروة أن تحرك شفتيها, فاكتفت بهز رأسها لتؤكد أنها ستكون كما يراد منها. وقف خالد خارج غرفة حروة ودخل كريم ممسكا بيد ابنه سالم وبالأخرى ابنته الكبرى شوق وبالقرب منها يقف الجميع .كانت دموع حروة تنساب بغزارة, وكريم يكلمها مستفسرا عن أحوالها ليوهم الأطفال أنها إحدى قريباته كما ذكر لهم سابقا .اقتربت الطفلة شوق لا شعوريا من حروة ولامست بغريزة لا تدركها يد حروة, ثواني قليلة ثم سحب كريم شوق بسرعة فيما يشبه التأنيب, وهمس في أذنها بألا تلمسها حتى لا تصاب بالعدوى. نظرات غريبة وشوق إلى الارتماء في أحضان هذه المرأة يراود الابنة الكبرى, إحساس آخر يداخل أمل وهى ترقب الموقف صامتة تكابد لتحبس دموعها, وهذا المشهد يشد تفكيرها إلى أمر أخر فهذا الرجل متحجر القلب (كريم) ينظر إلى حروة والدهشة تعلو وجهه وانفعالات غريبة تعصف به لم تخفى هذه الأمور على أمل.
وفي لحظات سريعة خاطفة وبدون مقدمات أنهى كريم الزيارة متمتما بكلمات قليلة. خرج الجميع عدا أمل, ورافق خالد كريم وأبناءه إلى خارج المبنى, لم يكن حبا في إكرامه وإنما ليترك حروة تلملم جروحها قبل أن يعود إليها. لقد أصيبت حروة بتناقضات الموقف, فرحة اللقاء وعذاب الفراق والصبر على التنكر, خافت أمل على حروة خوفا شديداً من أن تنهار أو تصاب بصدمة عنيفة, فبقيت إلى جوارها. حضر خالد ليكتمل مشهد مثير للشفقة, تتناثر الدموع وتحتبس الكلمات وتتراقص نبضات القلوب, ثم تنهيدة كادت أن تشق صدر حروة تنهي بعض آلامها وتمسك بيد خالد شاكرة ممتنة, وتبتسم أمل فرحا لانفراج الأزمة . أكد خالد لحروة بان أبنائها لن يغيبوا عن عينه أبداً وسيتابع أخبارهم ليوصلها إليها أولا بأول, ولم يكن خالد يقصد ذلك حقيقة, فلقد شاهد في عيني سالم ابن كريم توسلا صامتا بألا يتركه وأن يأتي إليه مرة أخرى, وكأنه يقول لدي أسئلة كثيرة بحاجة إلى إجابات شافية منك, وبنظرة واعدة من خالد التقطها الطفل مبتسماً وهو يودعه وكأنه يقول له وصلتني رسالتك.
***
جلس كريم في بيته سارحا شارد الذهن مشتت التفكير, لا يستقر تفكيره على أمر واحد, لو نظرت إليه لرأيت في وجهه العجب. زائغ العينين, قسمات وجهه لا تستقر على حال, تتحرك شفتاه بما يشبه التمتمة تارة, ويحرك يديه على غير هدى تارة أخرى.وعندما رأت زوجته هند هذا المنظر العجيب فقدت اتزانها, وأخذت تسأل الأطفال عن رحلتهم, فأخبروها بأمر الزيارة. شعرت هند أن في الأمر شيء آخر, حاولت أن تستدرج كريم إلى الحديث, ولكن ليس لكريم أن يقول شيئا وقد اختلطت عليه الأمور, سألته إن كان قد شاهد حروة فهز رأسه بنعم. مثل هند ابنة القرية, ومثل من تمتلك طباعها السقيمة ومحدودية تفكيرها جعلتها تفكر بأمور أخرى, صحيح أنها لم ترى حروة من قبل ولكن في أبناءها دلائل على أنها جميلة الشكل, وفي طبع أبنائها دليل على رجاحة العقل وحسن التصرف وقوة المنطق, فصورت لها أفكارها المريضة أن كريم قد اشتعلت عواطفه ورق قلبه وتحركت أشياء بداخله لابنة عمه حروة.
نظرت هند إلى وجهها في المرآة فرأت أنها لم تعد كما كانت في السابق صارخة الجمال رشيقة القوام .
قالت في نفسها:
- لعل كريم قارن بيني وبين حروة ابنة البادية الصلبة المتماسكة التي لم تعبث المساحيق بوجهها فوجد أنها لازالت جميلة بعكسي أنا.
انحصر تفكير هند في هذه الناحية الضيقة, وباتت تسلك طريقها إلى الرشاقة والجمال, تترد على مراكز التجميل في المدينة, وتحضر كل ما يصادفها من مساحيق وأدوات تجميل, ما تحتاج إليه وما لا تحتاج.
أخذ كريم وقد تغير فيه أشياء كثيرة يذهب بهند إلى المدينة كلما طلبت منه ذلك, فلم يكن يسألها أو يناقشها فيما تفعل, فما يختلج في صدره أكبر من ذلك .كثرت زيارات هند للمدينة وهي التي لم تعد تسمع كلمات الإطراء من كريم فاعتقدت أن ما فعلت بنفسها لم يثير انتباه كريم بعد, فتطلب المزيد والمزيد من المال تصرف على نفسها بغير حساب وتضيع وقت كريم معها في التردد على المدينة.
عشر سنوات لم يشكو كريم إلى هند أي إهمال أو تقصير من جانبها نحوه, حتى بعد أن عرف أنها عقيم لا تنجب لم يؤثر ذلك على العلاقة بينهما. أبعدت هند عن تفكيرها موضوع الإنجاب, وانحصر تفكيرها في الملابس والزينة وأنواع الطعام. ومضت الأيام بكريم وهند على هذه الحالة, وبدأت تجارة كريم في الانحدار ومطالب هند تقضي على رأس المال بالتدريج .
بذل خالد جهدا كبيراً للقاء سالم ابن كريم دون علم والده, وتشوق سالم لهذه اللقاءات الخاطفة فوجد في خالد ملجأَ يركن إليه في غياب رعاية الأب وإهمال هند. كان خالد يحث سالم على الاهتمام بدراسته وتشجيع شقيقاته على التعلم بجد ومثابرة. فشعر سالم أن خالد قريب منه جدا, وان اهتمامه به وبأخواته نوع من الشفقة ولكن خالد كان يهيئ سالم لأمر آخر, فقد كان يسأل سالم عن ظروف معيشته وعن دراسته وعلاقتهم بهند وتعاملها معهم وعن مشاعرهم نحوها ونحو أبيهم, ولكنه لم يتحدث مع سالم عن أمه حروة إطلاقاً .
***
قرر المستشفى تحويل حروة إلى دار المعاقين لتستكمل العلاج الطبيعي هناك, حيث أن جسمها أصبح يستجيب لذلك, فهي الآن تستعمل الأجزاء العليا من جسمها بكل طلاقة وعاد إليها الكثير من حيويتها وصحتها. أثار هذا القرار غضب أمل وخالد على حد سواء, وأبدى الاثنان استيائهم من هذا الأمر في حين انه قرار سليم ولصالح حروة, ويتفق الاثنان على أمر لا يستطيع أي منهما البوح به للأخر. تهللت أسارير حروة فرحاً عندما أبلغتها أمل بنقلها إلى دار المعوقين وهي تبكي بحرقة.
لقد كانت حروة تعلم مدى العلاقة الصامتة التي تربط أمل بخالد, وتعلق كل منهم بالأخر في صمت وحياء. وعندما سألتها حروة عن سبب بكائه اعترفت أمل بحبها لخالد, وان انتقالها إلى دار المعاقين يعني أنها لن ترى خالد كما كانت تراه هنا, وهي تعلم أن خالد به من النبل والشهامة ما يمنعه أن يقول لها شيء ولو تمزق قلبه . عزمت حروة بثقة وسرعة إلى إزالة الحاجز الضعيف الذي كان يقف بين أمل وخالد ليفصح كل منهم للآخر عن حبه ويرتبطا برباط الزواج الذي يأملانه. تهللت أسارير خالد وأعلن خفايا قلبه لحروة وأمل وأخبر أمل أنه قد آن الأوان لزيارة منزلهم, ولكنه رأى أن ينهي نقل حروة أولا إلى دار المعاقين .
***
أخيراً تم في جو بهيج وفرح غامر زفاف أمل وخالد, ودعي إليه الكثيرين من بينهم كريم وأبنائه وزميلات أمل وكثير من العائلات . علمت زوجة خالد السابقة بالأمر فكادت أن تجن عند سماع الخبر, وكان تفكيرها لم يصفو لها كما صفا ذلك اليوم, فذهبت إلى المستشفى لعلها تجد معلومات حول أمل تمكنها من النيل منها بعد أن احتلت مكانها لدى خالد. فتجد إحدى زميلات أمل, زميله لم تكن عرفتها من قبل, وكانت تبحث عن الزميلة الأخرى التي أخبرتها بما حدث بين زوجها وأمل فلم تجدها. سألتها هذه الزميلة إن كانت تبحث عن شيء تستطيع أن تساعدها فيه, فذكرت لها أمل فقالت الممرضة أنها قد تزوجت من شقيق حروة, ثم سألتها من جديد عن حروة وما علاقة خالد وأمل بها؟ فأخبرتها الممرضة بأمر حروة وأن خالد كان يأتي إلى المستشفى من أجل حروة فقط, وكانت أمل تساعده على العناية بها وهنا أدركت زوجة خالد جسامة الخطأ الذي وقعت فيه . كانت الممرضة الأولى قد أخبرتها أن خالد يأتي من أجل أمل وأخبرتها بمواعيد زيارة خالد ورأته بنفسها عدة مرات يدخل المستشفى, ولذلك رفضت العودة لخالد, فطلقها خالد لإصرارها على الغضب دون سبب موجب. أخبرت زوجة خالد هذه الممرضة بقصتها وما سببته لها زميلتهم الأخرى من مشاكل مع زوجها حتى طلقها, وبدورها قامت هذه الممرضة باطلاع زميلاتها
على القصة المؤثرة لتجد تلك الممرضة نفسها في عزلة تامة ومقاطعة من كل زميلاتها جزاء ما سببته من مشاكل نتيجة الغيرة والحسد من أمل الإنسانة الطيبة.
***
جاء سالم من البادية لحضور حفل زفاف خالد, ولكن حالته الصحية لم تمكنه من حضور الحفل, فبقي في بيت خالد وحيدا. وفي اليوم التالي بذل خالد وأمل جهدا كبيرا لمعاونته في زيارة حروة, وحين رأت حروة أن أبيها يقترب من نهايته رجته أن يستريح هنا في المدينة وألا يجهد نفسه بالحضور إليها وإلا فإنها ستعود معه إلى البادية, ولكن الأب الجلد القوي الشكيمة اخبرها أن هذا عارض بسيط وأخذ يمازحها ويقول لها انه سينتظر شفائها ليزوجها مرة أخرى. بقي سالم يومين في ضيافة خالد وأمل ثم قرر العودة إلى البادية في إصرار غريب, فذهب خالد وأمل معه إلى البادية, وقبل أن يغادر سالم إلى البادية أعطى خالد ورقة كتب عليها وصيته أوكل فيها أمر حروة إليه. كان ضجيج وعورة الطريق البري الذي يربط المدينة بالبادية تخفي حشرجة الموت التي كان سالم يعانيها أثناء الطريق, ولكن أمل تنبهت بخبرتها الطبية للأمر وقبل دقائق من وصولهم إلى بيت سالم كان قد أسلم الروح لبارئها .
عاد خالد وأمل إلى المدينة بسالم جثة هامدة فدفن في ذات المدينة التي يسكنها خالد وتعالج فيها حروة. لم تكن حروة تملك وسيلة لمعرفة أخبار خالد وأمل, فكان قلبها يعتصر وهى ترى انقطاعهم عنها لغير سبب وهما اللذان قطعا لها الوعود بعدم التغيب عنها أكثر من يومين .
زار خالد وأمل حروة بعد انقطاع وأوهماها أنهما قد سافرا بصورة مفاجأة لقضاء جزء من شهر العسل. أخذت أمل تمازحها وتضاحكها لتؤكد لها صحة لخبر, وزيادة في التأكيد قدمت لها هدية زعمت أنها أشترتها لأجلها من المدينة التي ذهبا إليها فانطلت تلك الأكذوبة على حروة, فخالد لم يكن يريد أن يخبرها بوفاة والدها وهي لا زالت مريضة كيلا يضاعف مرضها أو يسبب لها نكسة.
***
تهلل وجه خالد فرحا وهو ينظر إلى الشهادة التي يطلعه عليها سالم ابن كريم, لقد نجحت شقيقته الكبرى وسيقدم أوراقها للالتحاق بالجامعة في المدينة بعد أن يتمكن والده من تأمين السكن لها قريبا من الجامعة. فرأى خالد أن الوقت قد حان لانتهاز الفرصة التي لاحت له لجمع شمل الأم بأبنائها. سأل خالد سالم عن الوضع لو كانت أمه موجودة, هل ستترك ابنتها تعيش في المدينة لوحدها؟, تنهد سالم ونظر إلى خالد نظرة لا تخلو من الرجاء والاستعطاف ثم قال له :
- رغم صغر سني وقلة خبرتي فإن في نفسي إحساس منذ لقائي بك أول مرة أنك تخفي عني سرا يتعلق بوالدتي, وأريد أن أسألك : ألم يحن الوقت لتطلعني عليه ؟, إنني وشقيقاتي نعيش في جحيم لا يطاق, فهل بيدك حلا يريحنا؟. والدي لم يعد كما كان في السابق, وزوجته أصبحت كقطة متوحشة, والأيام تمضي بنا إلى مجهول, وأنت تتردد علينا بين وقت وآخر, وكأنك تنتظر الفرصة لتعطينا مفتاح المستقبل أو مصباح ينير لنا الطريق.
ابتسم خالد ورأى ثمار الصبر تلوح أمامه, فأعطى سالم عنوانه في المدينة وطلب منه أن يقابله عندما يحضر مع شقيقته للتسجيل في الجامعة. لم يمانع كريم في ذهاب ابنته الكبرى إلى المدينة يرافقها شقيقها سالم وشقيقتها الصغرى, فهو لم يعد ذلك الرجل النشط الحريص كما كان في السابق .ازدادت أمل حبا وإكبارا لزوجها خالد وهي تراه يكشف لها كل يوم عن خصلة من خصاله الحميدة وطيب أصله وانه يحمل قلبا كبيرا نقيا يفيض محبة وحنانا, فشاركته في رسم الخطة للم شمل حروة بأبنائها شاء كريم أم أبى, فالفرصة سانحة والظروف تخدمهم وكريم الآن مشغول بعلاج زوجته هند بعد أن أصيبت بسرطان الجلد نتيجة استعمالها العشوائي لكل ما يقع تحت يدها من مستحضرات التجميل والرشاقة, أشياء كثيرة استعملتها لا تعرف مصدرها ولا الطريقة الصحيحة لاستعمالها ولا الأضرار التي ستلحقها بها.
نسى كريم نفسه وأبنائه وهو يرى أول الغيث في عقوبة ظلمه لحروة, حروة التي لا تفارق تفكيره صبح مساء في صحوه أو نومه. لم يجد خالد وأمل أي صعوبة وهما يخبران سالم وشقيقاته بأمر والدتهم, فقد كان سالم ينتظر سماع خبر هام من خالد, أما شقيقته الكبرى فرجاحة عقلها وذكائها أكدا لها أن وراء تردد خالد على سالم أمر خطير. فاجأت الابنة الكبرى خالد وأمل عندما قالت لهما:
- لو أن يدي هذه تستطيع أن تنطق؛ لقالت لكم ولكل الناس أنها قد لامست يد أمي قبل سنوات قليلة وتحديداً عندما زرناها في المستشفى ؟. سألتك بالله يا عمي خالد ألم تكن تلك المرأة هي والدتي حروة؟.
أطرق خالد رأسه وقد ذرفت عينيه الدموع, وبكت أمل بحرقه وهي تحضن شوق الابنة لكبرى لحروة وكريم, وانخرط سالم في بكاء يمزق القلوب, أما مها الابنة الصغرى فقد احتضنت شقيقها سالم وأخذت تهدأ من بكائه وتقول:
- لقد حان الوقت لنضحك.. ونغني.. ونفرح... إن أمنا موجودة ويجب الإسراع للقائها بدلا من البكاء والنحيب.
تعجب خالد عند سماع هذه الكلمات, وأكبر في مها قوة إرادتها فقد تمالكت نفسها حين انهار الجميع. وافق أبناء حروة بفرحة غامرة على البقاء في بيت خالد والمبيت فيه تلك الليلة التي قضوها يستمعون إلى ما يشبه الأسطورة حين روى لهم خالد الأحداث بكل دقائقها وتفاصيلها.
وفي صباح اليوم التالي دخلت أمل على حروة أولا لتهيئتها للمفاجأة, وحين كانت تحاول جاهدة عمل مقدمات تسبق الحدث العظيم, أفسدت عليها شوق ترتيباتها عندما دخلت فيما يشبه العاصفة رافعة يديها وهي تصرخ:
- .. أمي حروة .. أمي حروة..
وقبل أن تصل إلى أحضان أمها تقفز حروة بمعجزة من الله لتصل هي إلى أحضان ابنتها واقفة على قدميها اللتين كانت قبل دقائق عاجزتان عن الحركة, ويتسمر الجميع لهول المفاجأة, حروة تتحرك يمينا ويسارا متشبثة بابنتها, تقدمت بخطوات ثابتة لتحضن سالم ثم مها وتجمعهم جميعا وتضمهم ضمة واحدة لصدرها وتنخرط في بكاء متصل مسموع. أتت أمل لتمسك بها خشية سقوطها, فنظرت حروة إليها بامتنان وقالت:
- لقد أدركت ما حدث وما أكرمني به ربي, لقد تحررت من الشلل واحتضنت أبنائي ولا أبالى لو مت في هذه اللحظة فلن يحدث أجمل ولا أروع مما حدث!.
امتلأت غرفة حروة بالأطباء والممرضات والمقعدين الذين جاؤوا بعرباتهم ليروا معجزة من معجزات الله سبحانه تتحول فيها حروة المقعدة إلى امرأة عادية كأنما أفاقت من غفوة عارضة.
لم تقبل حروة تحت إلحاح الأطباء البقاء في الدار, وأصرت بكل عناد على الذهاب مع أبنائها, فهي لم تعد تحتمل فراقهم لوقت آخر, ولم تعد معاقة لتمنعها الإعاقة عن البقاء معهم, ولم تعد سطوة كريم وتجبره تخيفها كما كان في السابق, لم يعد لديها شيء تدافع عنه وتحرص على الاحتفاظ به سوى أبنائها وهاهم بين يديها ولن تستطيع قوة بشرية انتزاعهم منها.
***
تجارة كريم التي آلت إلى الإفلاس, ومرض زوجته هند الذي لا أمل في شفائها منه, وذنب حروة الذي يوخز ضميره جعل كريم لا يفكر كثيرا بأية أمور مستجدة ولم يكن يخطر له أن أبنائه الآن في أحضان والدتهم . كل ما كان يفكر فيه من ناحية أبنائه هو تدبير مبلغ من المال أجرة سكن ابنته في المدينة وتغطية مصروفاتها هناك, وهل من الأفضل أن تواصل تعليمها في ظل هذه الظروف؟, أم يعيدها إلى البيت للعناية به وبزوجته المريضة؟. لم يطل تفكيره بهذا الأمر فقد صعقته الحقيقة حين اتصل ابنه سالم به ليطلعه على كل شيء, ويستغفر الله له على كذبته عن والدتهم, ويخبره أن والدته قد شفيت تماما وأنهم سيقيمون معها ولن يقبلوا العيش مع غير أمهم مهما كانت الضغوط . استسلم كريم للأمر الواقع وهون عليه شفاء حروة من الإحساس بالذنب نحوها, فخطر بباله أن تركه لأبنائه يعيشون مع والدتهم ربما يمهد الطريق لعودتها إليه بعد أن فقد الأمل في شفاء هند, أحلام وخيالات مريضة تراود تفكيره .
جهز خالد وأمل السكن لحروة وأبنائها, كان منزل صغير بجوار منزل خالد سرت به حروة كثيراً. وبعد أيام استأذنت حروة خالد أن تذهب بأبنائها إلى البادية لزيارة جدهم سالم والعودة به ليقيم معهم في المدينة, ولكن خالد رفض الفكرة وطلب تأجيلها المرة تلو الأخرى, حتى فاض الكيل بحروة وأصرت على السفر في إلحاح غريب, ويصر خالد على الرفض فظروف العمل لا تسمح له بالسفر . انبرت ابنتها مها في شقاوة مرحة لذيذة وقالت:
- لقد تعودنا من عمي خالد إخفاء الأمور لحين الوقت المناسب لذكرها .. ترى هل لديك خبر سيئ عن جدي سالم لا تريد أن تقوله لأمي الآن؟
فوجد خالد مفتاحا يدير به الحديث تدريجياً حول سالم رحمه الله حتى تكشفت الحقيقة وعلم الجميع بموت سالم منذ سنوات. لف الحزن منزلاَ كان مملوءا بالسعادة, ولكنه تلاشى شيئا فشيئا. فقد وجدت حروة في ابنها سالم الرجل الذي تحتمي به إلى جانب خالد أخاً لم تلده أمها .
***
تفوقت شوق في تعليمها على مستوى الكلية وحصلت على شهادة تقدير وهدية, ولشدة فرحها بالشهادة والهدية فما أن شاهدتها والدتها حتى خرجت شوق مسرع لتريها عمها خالد وزوجته أمل.وحين دخلت البيت مسرعة متهللة فرحاً, ألقت بعباءتها ونقابها على الأرض وهي في نشوة الفوز لتجلس أمام خالد وتمد له الشهادة والهدية ليراها, ولكنها لاحظت شيئا ما في وجه خالد وما أن التفتت يمينا حتى رأت رجلا غريبا يجلس في الغرفة مع خالد وأمل, فخرجت مسرعة لترتدي النقاب والعباءة. انزوت في خجل شديد بجانب أمل تعاتبها على عدم إخبارها بوجود ضيف لديهم, وسألتها أيضا عن هذا الضيف وكيف أن أمل لا تتحجب عنه؟, فطمأنتها أمل أن هذا الرجل هو شقيقها محمد.
عادت شوق إلى أمها, واشتعلت النار في جوف محمد شقيق أمل, لقد بهرته شوق بجمالها وعفويتها وانتزعت قلبه من مكانه. وتدفقت أسئلة محمد عن شوق وأدركت أخته ما حدث لشقيقها الذي كان يرفض مجرد فكرة الزواج, وها هو يقع في أتون الحب من أول نظرة .
تكررت زيارات محمد لبيت خالد على أمل أن يرى شوق مرة أخرى, وأدركت شوق بغريزة الأنثى مغزى هذه الزيارات المتقاربة والتي لم تكن تحدث من قبل, فصممت على عدم الذهاب لبيت خالد لأي سبب كان متعذرة بالدراسة ولزمت بيت أمها.أكبرت أمل فيها هذه الحشمة والتفكير السليم, في حين لم تفد توسلات محمد لشقيقته أمل في تقريب المسافات بينه وبين شوق . فحروة وأبنائها أمانة في عنق زوجها خالد, ومن الواجب أن تكون هي إلى جانب حروة وأبنائها, وأن يطرق محمد باب حروة خاطبا إذا كان جادا في كلامه.
***
اعتادت الأسر أن تتجمع بعد يوم عمل أو دراسة, وكان الليل قد أقبل بسكونه, وإذ بضيف يطرق باب خالد. لقاه خالد بالترحاب واستقبله استقبالا كريما, متلطفاً معه بالحديث ليسهل عليه كشف أسباب زيارته الغريبة. فبعد أن قدم له واجب الضيافة, تنهد كريم وأصلح من جلسته ونظر إلى خالد بانكسار وبدأ حديثه برجاء أن يساعده ويقف إلى جانبه. ظن خالد انه يقصد أخذ أبناءه ولكن كريم شكا له أمر آخر, قال:
- لقد أفلست في تجارتي وكثرت عليّ المصروفات لعلاج زوجتي, حتى لم أعد استطيع دفع
تكاليف علاجها, وقد أدخلتها اليوم المستشفى بعد أن ساءت حالتها.. لقد ضاقت الدنيا في عيني وسدت الأبواب في وجهي.. لم يقبل إخوتي في البادية مساعدتي وهم يمتلكون الكثير من الإبل والأغنام ولم يقبل إخوة زوجتي أيضا مساعدتنا.. وصوت يخترق أذني كل دقيقة يقول لي هذا ذنب حروة.. وحقيقة الأمر عندما وضعت زوجتي هند وابنة عمي حروة في ميزان العقل والمنطق رجحت كفة حروة.. لقد خسرت حروة النقية.. الطاهرة السريرة.. ابنة العم.. رفيقة صباي.. تلك الفتاة التي كنا ومنذ نعومة أظافرنا نعلم أننا لبعضنا كما جرت العادة في البادية.. ولكن جمال هند أغواني وأعماني جوهرها الزائف, وكنت راغبا في بقاء الاثنتين لولا مرض حروة..
كانت أمل قريبة من الغرفة التي كانا فيها, وسمعت حديث خالد وكريم فلم تستطع أن تتمالك نفسها, وقالت لكريم:
- ليس بسبب مرض حروة فقط تخليت عنها, بل بسبب خستك ودناءتك.. لماذا لم تصبر على
حروة لماذا لم تذهب بها إلى الأطباء.. لقد خرجت عن أصالة أبناء البادية وتخليت عن تقاليدهم وشهامتهم.. بهرتك المدنية فأردت الانسلاخ عن كل ما يربطك بالبادية .
حاول خالد بغير جدية أن يجعل أمل تسكت وبداخله كان يتمنى أن تستمر. انقطع الحديث بوصول حروة وابنها سالم دون أن يعلموا بوجود كريم, لم تتحرج حروة من الجلوس في نفس المكان, وجلس ابنها سالم بجانبها بعد أن سلم على والده. قالت حروة لكريم:
- هل جئت في أمر يخص أبنائي ؟, أم جئت لتأخذهم مني مرة أخرى؟.
نكس كريم رأسه في الأرض للحظات, ثم رفع رأسه وخاطب حروة مباشرة:
- يا ابنة العم لم آت لأي مما ذكرت, وإنما جئت لألم الشمل, واعتذر عن الماضي, واطلب
الصفح.. وقد حضرت إلى خالد لعلمي انه يقدر على إقناعك بالعودة إلي, وما دمتي قد حضرت
فكلامي موجه إليك مباشرة..
قالت حروة لكريم:
- إذا قبلت بشروطي, قبلت العودة إليك!
- قبلت شروطك مهما كلفتني. .
همست حروة في أذن ابنها سالم فخرج مسرعا ولا يدري الباقون ماذا قالت له حروة. أخبر سالم شقيقتيه بالأمر وطلب منهم أن يحضرن وألا يتدخلن وأن يكتفين بالإنصات فقط. دخلت شوق ومها وسلمتا على والدهما ثم جلستا بجوار أمهما. شرحت حروة لابنتيها الأمر الذي أتى والدهما لأجله ليكونا على بينة. تلهف كريم لسماع شروط حروة, فقالت :
- شرطي الأول ان تطلق هند وهي على فراش المرض . هل توافق؟
- نعم أوافق. ما شرطك الأخر؟
- خالد هو اخي وولي أمري, وزوجته أختي وهؤلاء أبنائي منك, أريد أن تقول لنا جميعا لماذا قبلت شرط هند وطلقتني وأنا على فراش المرض؟, ولماذا قبلت الآن تطليق هند من أجلي وهي على فراش المرض؟.
فتكشفت الحقيقة للجميع .. عدا كريم, عرفوا ماذا تريد حروة. اطرق كريم برأسه وحار في أمره وتمنى لو تنشق الأرض من تحته وتبتلعه ولا أن يرى هذه النظرات المتجهة إليه تنتظر منه إجابة مقنعة. لم تصبر حروة على صمت كريم فقالت :
- يا كريم.. إن خستك ودناءتك ورداءة طبعك وأنانيتك هي التي دفعتك إلى تطليق رفيقة صباك
وابنة عمك وزوجتك أم أبنائك, وهذه الخسة تأصلت فيك فأصبحت جزء منك, هاأنت تكرر الأمر مرة أخرى مع هند لتصل إلي. يا كريم.. إن رجلا فيه هذه الخسة غير جدير بأن يكون زوجا لي وغير جدير بان يكون أبا لأبنائي, وغير جدير لئن يبقى لحظة واحدة في بيت أخي خالد .
- أتطردينني؟!.
- نعم..!!
خرج كريم وهو غير مصدق ما سمع, احتضن الأبناء أمهم وقبلوا رأسها وقبل خالد أيضا وأمل رأسها إكبارا واعتزازا بموقف تعجز بعض الرجال عنه.
لم يذهب كريم على سيارته بل واصل السير على قدميه على غير هدى, تتقاذفه الشوارع وينظر إليه من يراه بإشفاق, عينان زائغتان وشفاه تتمتم بكلام غير مفهوم , وبدأت رحلة كريم مع الجنون, وبدأت أسرة حروة حياة السعادة والهناء .



الكاتب / عبد الله العطوي











 

التوقيع :

((الانسان بطبعه طموح لمجرد الطموح حسب سعه دائرته الفكريه0 فأني أؤمن بالطموح الذي يعشق التميز فيه وليس التقليد منه ))

منهج النسيان
من مواضيعي في المنتدى
0 توصية صاحب ليموزين
0 حروه
0 غروري هو شعوري بحاجة وجودك
0 ممكن تطول بالك لين انتهي
0 ادرس منهج للتضاريس و ضع للنسيان كل المتاريس0
0 عذوبة الذكرى
0 ابشروا بناتنا بيسوقون قريب
0 كن ولا تكن في رمضان . أحاديث مهمه امشي وراء اجرك لاتنحرم منه
0 أغبى مخلوق على وجه الكرة الارضية
0 هو سؤال؟

رد مع اقتباس
اعلانات جوجل
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


Msn bot last visit powered by MyPagerank.Net Yahoo bot last visit powered by MyPagerank.Net خلاصة المنتدى


Google
 

الإعلانات النصية





Powered by  MyPagerank.Net

الساعة الآن 10:57 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.1, Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.0.0 ©2007, Crawlability, Inc. TranZ By Almuhajir
شبكة المستثمرون العرب أنشئت في 26/10/1426هـ
 
المستثمرون العرب _ الاسهم السعودية المستثمرون العرب _ الاسهم السعودية   المستثمرون العرب _ الاسهم السعودية المستثمرون العرب _ الاسهم السعودية