المشوح: العوامل النفسية والارتباط العاطفي وراء حدوثه ... «وحم النساء» بين «واقع» الرجال و أوهام «النواعم» !
الرياض - لينا الكردي الحياة - 04/07/07//
على رغم أن «الوحم» يصيب النساء من دون الرجال، إلا أن كثيراً من الرجال يقعون في فخ تبعاته، إذ يبقون طوال فترة شهور الحمل الأولى في حال ترقب ورصد لتحركات وتصرفات زوجاتهم، ما أن تنتابهن رحلة الوحم، والتي تتجلى في فصول من القلق والخوف، سواءً على الزوجين أو الطفل المنتظر.
وفي الوقت الذي يختلف فيه باحثون وأكاديميون حول أسباب «الوحم»، ومدى صدقية تصرفات المرأة المصاحبة له، فإنهم يحمِّلون الثقافة الاجتماعية مسؤولية المساعدة في ترسيخ مفاهيم مغلوطة عن الوحم لدى كثير من النساء، فيما تؤكد عدد من النسوة أن الوحم يصيبهن واقعاً لا خيالاً من دون إرادتهن، ولا يعد خرافةً ووهماً تجلبه المرأة لنفسها، كما يعتقد جموع من الجنسين.
ويضطر كثير من الرجال المتزوجين إلى مسايرة كل ما يصيب زوجاتهم من عجائب الوحم وطقوسه، لئلا يتهمون بالقصور من زوجاتهم وعدم تفهم حالتهن الصحية النفسية، كما حصل مع الزوج محمد القحطاني، إذ يقول: «وحم زوجتي يستفزني كثيراً، ولم أعتقد بأني صبور إلى حد كبير، إلا بعد حمل زوجتي، وما صاحبه من تصرفاتها الغريبة»، مشيراً إلى أن زوجته «توحمت على حفن من التراب محاولةً أكلها».
وأوضح: «خوفي عليها وعلى الطفل الذي في بطنها، جعلني مراقباً عليها، لئلا تلتهم التراب».
ويسرد الزوج مبارك (أبو عبدالله) معاناته مع وحم زوجته قائلاً: «شعرت بفرحة عمري عندما تلقيت خبر حملها٬ لكني لم أعلم أنها فرحة وقتية ستزول مع حرماني من زوجتي لفترة من الزمن».
ويوضح: «أشعرتني زوجتي بكراهيتها لي، إذ أصبحت لا تطيق رائحتي مطلقاً، وتستنكرها دائماً لدرجة التذمر٬ وما كان مني إلا الصبر ومحاولة التخفيف عنها لأشعرها بعدم اكتراثي لوحمها».
ويضيف: «كل تلك المحاولات باءت بالفشل، وقضت شهور الحمل الأولى في منزل أسرتها». فيما تقول الزوجة سارة، والتي أصيبت بالوحم في أول شهور حملها، «ينتابني الشعور بالغثيان والقيء المستمرين٬ ولا أستسيغ رائحة المطبخ أو حتى الطبخ فيه».
وتضيف: «شعرت بتأنيب الضمير حيال زوجي وأطفالي جراء حرمانهم من طبخ البيت٬ ولكن ما حدث لي، كان فوق إرادتي ولم أستطع التغلب عليه»، مشيرةً إلى «أن بعض الأدوية ساعدتني على تخفيف حدة الأعراض٬ كما أنها بدأت تتلاشى مع تقدم أسابيع الحمل».
وتقول هنادي، والتي تعرضت للوحم أيضاً، إن «وحمها أوصلها إلى حال فقدان الوعي بصورة متكررة».
وتوضح: «كنت أحب استنشاق المواد الصمغية الكيماوية، وأثناء تلك الفترة اشتممت مادة صمغية بمعدلات أكثر من السابق، ولم استطع حينها تحمل الرائحة الشديدة، إذ أصبت بحال إغماء شديدة ونقلت على أثرها للمستشفى».
الطب... ومسؤولية المجتمع
من جهته، أكد أستاذ الصحة النفسية المساعد في كلية الملك خالد العسكرية الدكتور سعد بن عبدالله المشوح، أن الأسباب الطبية الناجمة عن ظهور الوحم لدى النساء في المراحل الأولية للحمل، «تظل مقصورةً على الخلل الهرموني عند المرأة الحامل»، لافتاً إلى أن هذا الخلل «يتفاوت من امرأة إلى أخرى، وذلك تبعاً للحال الاجتماعية والنفسية».
ويوضح: «وجود بعض الاضطرابات أو الأعراض المرضية الإكلينيكية الأخرى، من شأنها أن تسهم في ظهور أعراض الوحم واستمرارها لدى المرأة لفترات طويلة»، مؤكداً على «عدم وجود دلائل تشخيصية إكلينيكية يمكن من خلالها الجزم بأن المرأة ستمر بمرحلة الوحم في شهور الحمل الأولى».
وحول تأثير العوامل الاجتماعية على ظهور «الوحم» عند بعض النساء من عدمه، قال المشوح لـ»الحياة»: «المجتمع السعودي مجتمع مترابط وذو تواصل اجتماعي، وهذا الترابط من شأنه الإسهام في توريث كثير من السلوكيات والمعتقدات عبر الأجيال، ولعل من ضمنها عملية الوحم لدى النساء».
وتابع: «الوحم منتشر لدى غالبية شعوب العالم، وتختلف درجته من مجتمع لآخر، إلا أنه منتشر في المجتمع السعودي وبصور عدة، منها المألوف ومنها الغريب، كما يمكن أن يكون (الوحم) نوعاً من المزاح أو التهكم الاجتماعي»، مرجعاً ذلك إلى «شعور الفتاة أو المرأة الحامل أن هناك طقوساً اجتماعية يجب القيام بها، تؤدي إلى تقمص سلوكيات الوحم من أجل الحصول على قبول اجتماعي وأسري».
وأشار المشوح إلى أن ما يجعل الباحثين في حيرة حول مرحلة الوحم هو «تنوع حدوث مثل هذا الأمر عند النساء في المجتمع الواحد، فهناك الوحم الشديد ومنه هجر الزوج، والبعد عن الأسرة والبيت، وصولاً إلى تناول بعض الأطعمة»، لافتاً إلى أن «كثيراً من الرجال في المجتمع السعودي يشعرون بشيء من الحرج الاجتماعي عند حدوث الوحم لدى نسائهم وبصوره غير متوقعة، ما يجعلهم يعدون العدة للشهور الأولى من الحمل، ويستنفرون جهود الأمهات وكبيرات السن ممن حولهم».
وحمَّل المشوح مجتمع النساء في السعودية مسؤولية حدوث بعض الظواهر الاجتماعية النفسية، وقال: «حينما ترى الفتاة أن جميع أخواتها وصديقاتها مررن بهذه التجربة، وما لها من خبرات حسنة أو سيئة قد تلجأ إلى تقبل الفكرة اجتماعياً، ومن ثم محاولة تطبيقها على المستويين الشعوري واللاشعوري».
وأشار إلى أن «الدراسات النفسية في أميركا وبريطانيا، وجدت أن العوامل النفسية والارتباط العاطفي لدى المرأة يمثلان السبب الأول لحدوث الوحم، ومن ثم تأتي الأسباب الجسمية والمتمثلة في التقلبات الهرمونية من خلال الجهاز الغدي لدى السيدات الحوامل خلال الأشهر الأولى».
وأضاف: «يمكن إرجاع الأسباب النفسية إلى وجود ارتباط وثيق بين مستوى التفكير بأهمية الحمل وقلق الحمل والعناية بهذا الجنين، وبين قدرة المرأة على التصديق أنها تحمل جنيناً في أحشائها»، لافتاً إلى أن ذلك «يرتبط بالنضج العقلاني للنساء، ومن هنا يحرص المهتمون بالتربية على تثقيف الفتيات في المجتمعات الغربية على جميع جوانب الحمل والعناية بالنفس٬ وهذا ما يغيب في كثير من مجتمعاتنا العربية».
مشيراً إلى ارتباط وجود «الوحمة» لدى الجنين بعد ولادته، ومدى تأثر الأم خلال الأسابيع الأولى للحمل بقوة الوحم، يقول: «كثيراً ما تربط الأمهات وجود الوحمات على الأطفال إلى شعورهن خلال فتره الحمل بأعراض شديدة من الوحم، ووجود تقلبات عاطفية ونفسية قد مررن بها».
وعن الوسائل والطرق التي تساعد المرأة على التغلب على الوحم، قال المشوح: «لا يمكن الجزم بوجود حلول ناجحة وذات طابع فعال»، موضحاً: «لابد من الإشراف الطبي والإكلينيكي لدى النساء خلال الفترات الأولى للحمل، وذلك لضمان الصحة العامة للأم والجنين، إلى جانب الاهتمام بالمستويين الصحي والنفسي بالدرجة الأولى»، مشيراً إلى أنه من أهم الوسائل «تثقيف الأزواج حول أهمية مراعاة مشاعر المرأة خلال فترة الحمل، وتحديداً الأسابيع الأولى منه، وذلك تلافياً لنشوء اضطرابات أسرية بين الزوجين، نتيجة عدم قدرة الزوجة على مواجهة ضغوط الحياة وطلبات الزوج الأساسية، وعدم شعوره بمطالب زوجته وعدم تفهمه للحال النفسية التي تمر بها في تلك الفترة».
ونفى استشاري النساء والولادة الدكتور محمد لطفي المقولة التي تتردد في المجالس العامة، أن المرأة إذا توحمت على طين أو أكلة معينة ولم تتناولها يظهر بعض العلامات الجلدية على جنينها، يقول: «لم يثبت علمياً أن هناك أي علاقة بينهما»، مضيفاً: «الوحم يكون بأعلى درجاته في الأشهر الأولى من الحمل، ومن ثم يخف تدريجياً ويكاد يختفي في الأسبوع السادس عشر».
مشدداً على أهمية دور الزوج في تخفيف تلك الأعراض الوهمية، «في بعض الأحيان يجب على الزوج أن يرعاها رعاية طبية ونفسية ويخفف عنها، ويتم شرح الموضوع للمرأة الحامل على أنه إحساس وقتي وسيتم شفاؤها منه خلال أسابيع قليلة ولا داعي للقلق».
مشيراً إلى أن هناك أدوية تساعد على تخفيف أعراض الوحم «وهي عبارة عن فيتامين «B complex»، إضافة إلى أدوية أخرى تقلل القيء والغثيان»، مشدداً على أهمية الالتزام بالإرشادات والنصائح الطبية، ولفت إلى «أن في بعض الحالات المستعصية وهي التي تشكل نسبة 5 في المئة ينصح بها المرأة الحامل دخول المستشفى لإعطائها المحاليل الوريدية وأدوية معينة لعدم حدوث مضاعفات جانبية قد تؤثر على المخ والكبد والكلية والحمل أيضا».
وأكد الدكتور لطفي على «عدم شرب المياه الغازية٬ والأكلات التي تحتوي على البهارات الحارة والمأكولات الدسمة٬ كما يجب عدم امتلاء المعدة أثناء الوجبات بل الاكتفاء بأن تكون الوجبات متعددة ومتوازنة من حيث الكمية»، منبهاً على عدم أكل المواد الضارة والمواد الكيماوية مثل الصابون والطين وغيرهما من الأمور الغريبة، وذلك حرصاً على صحتها في المستقبل وعلى صحة جنينها».
تطبخ الأسمنت في الماء لتأكله شوكولاتة!
أكدت استشارية طب النساء والولادة الدكتورة سهيلة موسى، أن «كثيراً من الأزواج يتقبلون وحم النساء، ويشدون من أزرهن في تلك المرحلة الحرجة».
واستدركت قائلة: «إلا أن بعضاً منهم (الرجال) يجهل تلك التغيرات الهرمونية التي تحدث لزوجته، ويبدأ بردود فعل عكسية تضر بنفسية وصحة زوجته وجنينها».
وأضافت: «المرأة قد تتوهم مثل تلك الأعراض نتيجة سمعها وتداولها في المجالس النسائية٬ وتعتقد أن لا حمل طبيعي من دون تلك الأعراض المتداولة بين النساء».
وتسرد موسى قصة إحدى مريضاتها التي ساعدتها في منعها من متابعة أهوائها، قائلةً: «أخفت عني مريضتي أمر وحمها في بداية الأمر، إلا أنها فاجأتني عندما أخبرتني عن وحمها في طبخ الأسمنت في الماء، ثم تشكيله على هيئة قوالب من الشوكولاته، والبدء في قضمها، مبررةً لي فعلها بشعورها بلذة ما فيه من ملوحة».
وتتابع: «هنا بدأ الخوف ينتابني٬ وقمت بعمل الفحوصات ونصحها بعدم تكرار ذلك، خوفاً من آثار سلبية على كليتيها».
ونصحت موسى النساء اللاتي يمررن بمرحلة الوحم، بالعمل على «نسيان الوحم، وعدم التفكير فيه، إضافة إلى تحاشي النهوض من الفراش فجأةً، وتناول قطعاً من البسكويت المملح للحد من القيء والغثيان في شهور الحمل الأولى».