شجرة التبلدي شجرة ضخمة طولا وحجما وهي من الأشجار المعمرة إذ لا يعرف أحد حتى الآن عمر أي واحدة منها, كما أنها لا توجد في كثير من بلدان العالم, وتجويفها متفاوت السعة التخزينية من 40 إلى 100 برميل للشجرة الواحدة.
فوائد التبلدي
تستخدم ثمار هذه الأشجار كعصائر بلدية باسم القنقليز وفي علاج بعض ألأمراض الباطنية بجانب استخدام الأوراق في بداية فصل الخريف للأكل اعتقادا بمعالجتها لبعض الأمراض الأخرى.
التبلدي، شجرة الحياةد.كنعــــان محمـــد، باحث عراقيإن الزائر لمنطقة جنوب الصحراء في القارة الأفريقية يشاهد في معظم فسحالبيوت القروية المتباعدة عن بعضها شجرة ضخمة عملاقة تتميز عن أقرانها الأشجارالإستوائية بالكثير من الخصائص، إذ يمكن التعرف عليها من المشاهدة الأولى.
فهيشجرة ضخمة، وهي الشجرة الوحيدة التي تنفض أوراقها وتصبح عارية من الأوراق بينالكثرة من الأشجار الدائمة الخضرة، هذه الشجرة التي تسمى بالسودان التبلدي وإسمهاالأكثر إنتشاراً هو الباوباب Adansonia digitata
الموطن الأصلي لهذه الأشجار هوالشريط الجغرافي الواقع تحت الصحراء والممتد من شرق القارة الأفريقية إلى غربها،وهي تنتشر في هذه المناطق بكثرة إضافة إلى إنتشارها إلى جنوب هذه المنطقة وحتىمنطقة السافانا الرعوية في جنوب أفريقيا،كما توجد في اليمن والهند أيضاً ولكنبأعداد قليلة.
هناك أشجار ضخمة عملاقة معمرة معروفة في أصقاع الدنيا، وشجرةالباوباب هي إحداهن، وما يميزها عن كل الأشجار هو ضخامة وغلظ جذعها ،إذ يبدو الجذعوكأنه برميل ضخم مرتفع، قطره يتراوح بين 7-15 مترا، وقياس الجذع لا يبقى ثابتاً،إذيختلف من سنة لأخرى زيادة أو نقصاناً، تبعاً لرطوبة التربة وكمية الأمطار الساقطةفي تلك السنة. ففي السنين القليلة الأمطار يصبح الجذع أقل سمكاً مما كان عليه فيالسنين السابقة الغزيرة الأمطار. فقد سجل قياس قطر شجرة في العام 1946 أقل مما سجلفي العام 1931 بـستين سنتمتراً.
في موسم الأمطار تخزّن الشجرة في أنسجة جذعهاكميات كبيرة من الماء تستخدمه في فصل الجفاف، واعتادت الفيلة سلخ قلف الجذع للوصولعلى الأنسجة الرطبة المشبعة بالماء لتمتصه وتروي ظمأها، والقلف الداخلية تتكون منانسجة قوية متينة وهي تُسحب من الشجرة ليُصنع منها سلال وشباك صيد الأسماك. ومنخاصية الشجرة أنها لا تتأثر بسحب قلفها مثل باقي الأشجار فهي تجددها بعد إزالتها .
وفي الأشجار العتيقة المعمرة يعمد السكان المحليون إلى عمل تجويف في قلبالجذع، تكون فتحته في منطقة إلتقاء الأفرع الرئيسية، عند قمة الجذع، ليحصلوا عندهاعلى فراغ واسع يستخدم لخزن مياه الأمطار التي تدخل إلى هذا التجويف خلال الفتحةالموجودة في القمة ، أو تغرف مياه الأمطار المتجمعة في الأراضي المنخفضة، بعد سيولالأمطار، وتخزن في هذا التجويف لتستعمل في مواسم الجفاف، حيث يتم سحب المياه بواسطةالدلو أو أي وعاء آخر، ويرتوي المسافرون على الطرق البعيدة من هذه المياهالمتجمة.
ولو كان للتجويف فتحة في أسفل الجذع فيكون الفراغ واسعاً بحيث يستخدمكغرفة للسكن أو حانوت أو حانة أو مكتب بريد أو ملجأ للإنسان أو الحيوانات.
وجذعالشجرة العريض يستخدم بعد قص الشجرة في صنع قوارب صيد الأسماك بعد حفره .
أشجارالتبلدي بطيئة النمو وتعمر كثيراً، وهي لا تكوّن حلقات سنوية في خشب الجذع ، ممايزيد من صعوبة تقدير عمر الشجرة الحقيقي، ومع ذلك توصل علماء النبات إلى طريقةمختبرية لتخمين عمر الشجر المعمرة، وأوجدوا العلاقة بين قطر الشجرة وعمرها، فالشجرةالتي يبلغ قطر جذعها سبعة أمتار يصل عمرها إلى 600 سنة، والتي يصل قطرها إلى عشرةأمتار يكون عمرها حوالي 2000 سنة، وهناك الكثير من الأشجار التي يصل عمرها الألفعام و بعض الأشجار يصل عمرها إلى خمسة آلاف سنة.
بالرغم من ضخامة جذع الشجرة إلاأن إرتفاعها لا يتعدى الـ 22 متراً في أقصى الحالات وأفرعها قليلة، العدد متباعدةعن بعضها، متجهة إلى الأعلى تشبه المجموع الجذري للأشجار، وبهذا الشكل فشجرةالتبلدي عندما تكون عارية من الأوراق تبدو وكأنها مقلوبة رأساً على عقب جذورها فيالهواء وأفرعها داخل التربة.
شجرة االتبلدي متساقطة الأوراق وهي حالة نادرة فيالأشجار النامية في المناطق القريبة من خط الإستواء .
وفي المناطق الإستوائيةالتي تتميز بوجود فصلين هما فصل الأمطار وفصل الجفاف تسقط أوراق الأشجار مع بدايةموسم الجفاف الذي يبدأ منذ شهر تشرين الأول(أكتوبر) وتبقى عارية من الأوراق حتىبداية فصل الأمطار الذي يبدأ في شهر حزيران (يونيو) حيث تورق الأشجار.
والأوراقكبيرة مركبة كفّية تتكون من خمسة إلى سبعة وريقات كبيرة ،وهذه الأوراق غنيةبالسكريات والبوتاسيوم وفيتامين C ، واليانعة النامية حديثاً منها تكون طرية طازجةتستعمل من قبل السكان المحليين كخضراوات ، مثل السبانخ والسلق أو الملوخية تؤكل بعدطبخها، أو تجفف هذه الأوراق وتطحن لتستخدم في تحضير بعض الأطعمة المحلية ، وللأوراقتأثيرات علاجية فهي تستخدم لمعالجة الحمى.
في نهاية موسم الجفاف وعندما تورقالأشجار تبدأ البراعم الزهرية بالانتفاخ وذلك في فترة ما بعد الظهر وعندما يحلالمساء تتفتح الزهرة، والأزهار متدلية كبيرة يتراوح قطرها بين 10-12سم، لها عنقطويل سميك ، أوراقها التويجية بيضاء شمعية كبيرة تكون منحنية إلى الأعلى ، ويشغلوسط الزهرة الميسم ذو القلم الطويل والكبير والذي تنتشر حوله الكثير من الأسدية ذاتالخيوط البيضاء والمتوك البنية اللون وبذلك يبدو كفرشاة الحلاقة .
لا تدوم مدةتفتح الأزهار إلا لفترة قصيرة إذ عندما ينبلج الصبح تكون قد إنغلقت وذبلت وتغيرلونها من الأبيض إلى الأبيض الضارب إلى السمرة، بعد أن تم تلقيحها بواسطة خفافيشالليل التي تنجذب إليها بسبب الرائحة العطنة التي تفرزها الأزهار أثناء تفتحها ،وتزور هذه الحيوانات الأزهار لتتغذى على المياسم الكبيرة وتمتص الرحيق منها، وطبيعيأن لا ترى الخفافيش ليلاً عندما تزور الأزهار ولكن يستدل على ذلك من آثار مخالبهاالتي تتركها على الأوراق التويجية والأزهار التي لم تلقح تسقط من الشجرة حيثتستسيغها حيوانات الرعي كالأغنام والماعز.
بعد التلقيح والإخصاب تعقد الثمارالتي تسمى في السودان : القنقليز، وهي عبارة عن علبة لا تنفتح لحالها،كبيرة بيضويةأو كمثرية الشكل يصل طولها إلى 30سم ، سطحها مخملي الملمس بسبب الزغب الكثيف ذواللون الرمادي أو البني المائل إلى الصفرة والذي يغطي قشرتها السميكة والصلبةالقاسية.
يملأ جوف الثمرة عدد كبير من البذور الكلوية الشكل والتي تكون بحجم حبةالفاصوليا ذات القشرة البنية الغامقة، وتفصل البذور عن بعضها مادة هشة دقيقيةالقوام ، لونها أبيض عسلي ، حامضية الطعم قليلاً، تحتوي على كميات عالية من فيتامين C وحامض التاتاريك، وحامض الستريك، ولها خاصية الذوبان في الماء،.
ومن هذهالمادة الدقيقية، يعمل في مناطق زراعة الأشجار في أفريقيا، وخاصة في السودان، يعملمنها مشروباً منعشاً ملطفا،ولازالت صناعة المشروب تجري على نطاق ضيق ، ولم يتمتصينعه وتعبئته على نطاق صناعي تجاري. وللحصول على المشروب تنقع البذور وما يحيطبها من مادة اللب هذه في الماء لفترة زمنية لا تقل عن الساعتين ويصفى السائل بواسطةالمصفيات لإزالة الشوائب ،ثم يضاف إليها السكروبعض الحوامض ومواد ملونة ومواد حافظةثم يتم ترشيحه ثانية. وعند التعبئة التجارية يتم تصفيته بالطرد المركزي ، ويضافإليه غاز ثاني أكسيد الكاربون ليعيطيه التأثير المنعش ،إن محتويات اللب العالية منمادة البكتين تساعد على حفظه وشراب القنقليز إضافة إلى أنه منعشاً ولذيذا، له فوائدعلاجية أيضاً، إذ يفيد هذا المشروب عند تناوله في معالجة الحمى والإسهال ووقفالنزيف. و تطحن البذور ويغلى المسحوق ليشرب سائلاً حاراً كالقهوة.
شجرة التبلديتحترمها الأقوام والجماعات التي تقطن في منطقة إنتشارها في أفريقيا ، فهي عندهمشجرة الحياة ، ترمز إلى الخصوبة والعطاء ، لذلك فالسكان المحليين عند إنتقال محلسكنهم من قرية إلى أخرى عليهم أن يأخذوا معم بذور شجرة التبلدي لزراعتها في موطنهمالجديد.
وهذا الإحترام نابع من المعتقدات والأساطير والحكايات الشعبية التي تروىعن هذه الشجرة:
فالناس هناك يعتقدون بأن من يشرب من الماء المستخلص من عصر قلفالأشجار فستصبح لديه القوة والشجاعة ، وفي بعض المناطق الأفريقية يعمد الناس غسلجسم الأطفال الصغار بماء القلف هذا ليكونوا أقوياء وأبطال المستقبل، ولكن لا يجب أنيستحم الطفل لفترة طويلة في الماء كي لا يصبح بديناً، كما يجب الإنتباه أن لا يُبلّرأسه بهذا الماء كي لا يصبح ضخماً منتفخاً.
وهناك إعتقاد بأن من يمتص رطوبةالبذور (القليلة الرطوبة أصلاً) فسيحصل على الحماية من التعرض لمهاجمة التماسيح،بينما من يأكل البذور فهو سيجلب إليه خطر التماسيح.
وخوفاً من فاجعة تصيبهم لاأحد يجازف بقطع زهرة الشجرة لاعتقادهم بان أرواح الأسود تسكن هذه الأزهار، ومن يقطعزهرة منها فسيكون مصيره الإفتراس من قبل الأسود.
وشكل الشجرة الذي تبدو فيهاوكأنها مقلوبة رأساً على عقب أوحى بالكثير من الأساطير والمعتقدات الشعبية ، فيقالأن الجدة الأولى لهذه الأشجار ارتعبت من الفيلة ومن خوفها وضعت رأسها في التربة. أما الأسطورة الأفريقية فتقول: أن الإله الخالق ضجر من كثرة تنقل هذه الشجرةفانتزعها من جذورها وقلبها رأساً على عقب فأصبحت أغصانها في التربة وجذورها سائبةفي الهواء لتُجبر على البقاء في مكانها .
أما في المناطق التي تسكنها ألأقوامالعربية، فتقول الأسطورة أن الشيطان هو الذي قلعها من جذورها وقلبها في الأرض .
واسطورة أخرى تقول: أن شجرة التبلدي هي أول شجرة أنبتها الخالق على وجه الأرض، وبعدها خلق نخلة التمر بجذعها الطويل وقامتها السامقة الشامخة ، وعندما رأتهاشجرة التبلدي ثارت غيرتها متبرمة : لماذا لا أكون أطول من النخلة؟ وعندما أنبتالخالق شجرة التين الجميلة المهيبة، توسلت إلى الخالق أن يكون لها ثماراً لذيذة مثلثمار شجرة التين، فنفذ صبر الخالق مقتلعاً إياها من جذورها قالباً إياها في الأرضرأساً على عقب، كي لا تتبرم بعد ذلك ، وهي أسطورة ترينا مايجلبه عدم الرضا والرغباتالبليدة ، وتحث الإنسان على أن يقنع بما لديه أو ما هو عليه ، فالقناعة كنز لايفنى.
ولغرابة مظهر الشجرة وهي عارية من أوراقها بين أقرانها الأشجار الدائمةالخضرة لازالت تروي الأمهات والجدات حكايات للأطفال نابعة من خصوصية هذه الشجرة،فالحكاية السودانية تقول: أن شجرة التبلدي، دعت كل حيوانات الغابة من نمور وأسودوذئاب وقرود وفيلة إلى حفلة ختان أولادها فأكلوا وشربوا ورقصوا فرحين بالمناسبة،وأثناء الحفل تلبدت السماء بالغيوم ، وقبل أن يستطيعوا اللجوء إلى مكان يحتمون فيها،هطلت الأمطار بغزارة، مما دعى الحيوانات إلى الهرب مسرعين . أثناء الهرج والمرجدعس الفيل أولاد شجرة التبلدي ، فحزنت الشجرة على موتهما، ولحزنها العظيم سقطتأوراقها ألماً على فراق أولادها.
التبلدي شجرة إستوائية ومع ذلك فهي تتحملالجفاف كما تتحمل المناخ الرطب ، تنمو في مناطق الغابات وتزرع بكثرة في المنازلالريفية، كما تشجر بها المدن ، المتنزهات وشوارع المرور ، وعلى جوانب الطرقالخارجية، وفي بعض المناطق هي من الأشجار المحمية التي يمنع قطعها، ومنذ العام1941فشجرة التبلدي تتمتع بالحماية في دولة جنوب إفريقيا.
فيصل محمد خليل