التعاون لا التنافس:
من خلال التعريف السابق لعملية التفاوض نلمح أن هدف التفاوض هو الوصول إلى حل وسط يرضي جميع الأطراف، فالتفاوض الناجح هو الذي لا يكون فيه فائز مطلق أو خاسر مطلق، أما إذا اعتبر أحد الطرفين أن الهدف من التفاوض هو هزيمة الخصم وتحقيق الفوز بأي ثمن، فإن هذا قد يكون له عاقبة وخيمة وقد يؤدي إلى عكس المطلوب. ويتضح ذلك من هذين المثالين:
مثال1:
إذا أجبر العاملون في مصنع ما الإدارة على رفع الأجور بدرجة كبيرة عن طريق التهديد بالإضراب عن العمل، فقد يكون العمال هنا قد حققوا ظاهريًا الانتصار في المفاوضات على أصحاب الشركة، ولكن ماذا سيحدث إذا لم تحقق الشركة أرباحًا كافية لتمويل هذه الزيادة في الأجور، قد يؤدي ذلك إلى تسريح العاملين، وبالتالي فهم الخاسرون في النهاية.
مثال2:
تفاوضت شركتان بشكل تنافسي على كمية محدودة من المواد الخام كانت جاهزة للشحن الفوري، وكانت الخصومة والعداوة مستحكمة بينهما في مجال المبيعات لسنوات طويلة، فعرضت إحدى الشركتين سعرًا باهظًا للمواد الخام لعلمها أن الشركة الأخرى لن تستطيع دفعه، وبالتالي تمكنت من الفوز بالمواد الخام، إلا أن ارتفاع التكاليف منعها من تحقيق الربح المطلوب مما أدى إلى سوء الموقف المالي للشركة في النهاية.
ولكن في المثالين السابقين ماذا لو أن محور التركيز تحول من التنافس إلى التعاون ؟
لقد كان بإمكان العاملين والإدارة في المثال الأول أن يتوصلوا إلى حل وسط بصياغة زيادة في أجور العمال يتم ربطها بتحسن الإنتاج ورفع أرباح الشركة، فيتم بذلك تلبية حاجة العمال للمزيد من المال وحاجة الشركة للمزيد من الإنتاج والأرباح، وفي المثال الثاني كان يمكن أن يتفق الطرفان على تقسيم المواد الخام بينهما على نحو منصف يضمن استمرارها في الإنتاج.
مما سبق يتضح لنا:
أن الميل لتبني الحلول الوسط هو الأساس الذي يرتكز عليه التفاوض المؤدي لفوز كلا الطرفين.
العناصر الأساسية في التفاوض:
لكي تستطيع أيها القارئ الكريم أن تدير التفاوض بنجاح لا بد أن تلم بعناصره وبالكيفية التي تؤثر بها هذه العناصر على جهودك التفاوضية، وهذه العناصر هي:
1ـ المعرفة أو المعلومات.
2ـ عامل الوقت: أو الضغط الناشيء عن الالتزام بمواعيد محددة.
3ـ القوة أو المقدرة.
وسنتناول كل عنصر على حدة بالشرح غير أنه في موقف التفاوض الفعلي تكون هذه العناصر متشابكة.
1ـ المعرفة أو المعلومات:
كلما زادت معرفتك بالموقف ومعلوماتك عنه كلما زادت فرص نجاحك في التفاوض، وذلك لأن المعلومات تمكنك من التفكير في بدائل وابتكار خيارات ووضع استراتيجيات واستخدام تكتيكات فعالة [[كما سيأتي شرحه خلال هذه الحلقات]] مما يزيد من فرص نجاحك في عملية التفاوض, ولكن ما هي المعرفة التي تحتاجها للنجاح في عملية التفاوض؟
1ـ معرفة نفسك أهدافك، نقاط ضعفك وقوتك، حدودك الزمنية، الهوامش المقبولة للأخذ والعطاء، النقطة التي تستطيع بعدها الاستمرار في التفاوض.
2ـ معرفة الجانب الآخر كالمعلومات الشخصية عنه، المعلومات المتصلة بالعمل، تحليله بنفس الطريق التي حللت بها نفسك [أهدافه، نقاط قوته وضعفه، الهوامش المقبولة لديه للأخذ والعطاء، حدوده الزمنية، النقطة التي لا يستطيع بعدها الاستمرار في التفاوض].
مثال لتوضيح الكيفية التي تؤثر بها المعلومات تأثيرًا مباشرًا على التفاوض:
تفاوضت على شراء سيارة، فإذا بك تحصل بسهولة على سعر يقل 2000 جنيه عن السعر الذي كنت تعتقد أن عليك أن تدفعه، وبعد عدة أيام قرأت مقالاً في الصحف وفيه أن شركة صناعة السيارات تخطط لطرح نموذج جديد ذي تصميم معدل بالكامل خلال ثلاثة شهور، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى انخفاض قدرة 4000 جنيه في سعر النموذج السبق له، فتأمل كيف أن جهلك بهذه المعلومة قد أضعف موقفك التفاوضي وجعلك تخسر 2000 جنيه على الأقل.
2ـ عامل الوقت أو الضغط المتولد عن تحديد مواعيد لإنجاز العمل:
أنك عندما تكون قادرًا على التحكم في الضغوط الواقعة عليك من جراء المواعيد المطلوب منك الالتزام بها، ثم عليك أن تستغل الضغوط الواقعة على الطرف الآخر في الوقت ذاته، فإن ذلك يمكنك من التحكم في سير عملية المفاوضات.
مثال يوضح كيف يؤثر الضغط الناتج عن وجود مواعيد يتعين الالتزام بها على سير العملية التفاوضية.
عقد إيجار المكتب الذي تعمل به ينتهي في نهاية السنة لأنه من المقرر هدم المبنى الذي يقع فيه في ذلك الوقت، ولا بد لك من إخلاء المكتب من خلال ثلاثين يومًا، ووجدت بالفعل مكانًا مناسبًا يصلح كمكتب، وتريد أن تتفاوض لاستئجاره، في حين أن صاحبة لا يعلم شيئًا عن الضغط الواقع عليك من جراء الزمن، فتكون هنا أنت المسيطر على الموقف، أما لو علم الطرف الآخر بالضغط الزمني الواقع عليك، ضعفت قوتك التفاوضية لأنه يعلم تمامًا أن الوقت يمر وأنه في صالحه، فهو متأكد أنك مضطر لإبرام اتفاق في اللحظة الأخيرة لأنك لا تستطيع البقاء في مكتبك الحالي بعد انقضاء المهلة المحددة لك.
3ـ القوة أو القدرة:
ويقصد بها القدرة على التأثير على المشاركين في المفاوضات، والأحداث أو السيطرة عليها. وتنبع هذه القوة أساسًا من المعرفة، فيتم اكتسابها من الفرق بين ما تعرفه من موقف الجانب الآخر وبين ما يعرفه هو عن موقفك، ولذلك فميزان القوة في العملية التفاوضية ليس ثابتًا، وإنما قد ينتقل من جانب إلى آخر مع تكشف المعلومات واقتراب المواعيد التي يتعين على كلا الطرفين الالتزام بها، والمفاوض الناجح هو الذي يستطيع أن يحافظ على ميزان القوى مائلاً لصالحه، إذ طالما استمرت عملية انتقال القوة من طرف إلى آخر فإن احتمال استمرار التفاوض يظل قائمًا.
تحياتى وسامحونا