إنفلونزا الطيور يثير المخاوف في البنوك والكهرباء والاتصالات
أندرو جاك - لندن - 15/12/1426هـ
قدم بوب بيجوت رئيس إدارة الأزمات في مجموعة HSBC، إلى الفريق التنفيذي للبنك خططاً حول كيفية استعداد البنك لمواجهة احتمال انتشار وباء فيروس إنفلونزا الطيور، المعروف باسم H5N1، الذي بدأ يثير المخاوف حين أخذت الطيور المهاجرة بالتساقط عبر أوروبا في الخريف الماضي.
وفي الوقت الذي يزداد فيه خوف الناس نتيجة لسقوط أولى الضحايا الأوروبيين في تركيا قبل أيام، بسبب الشكل المميت من الإنفلونزا، يشعر بيجوت رئيس إدارة الأزمات في مجموعة HSBC، أن المجموعة على درجة جيدة نسبياً من الاستعداد لمواجهة الفيروس في حال انتشاره.
وجمعت "سيرفايف" وهي اتحاد إداري مقره لندن 30 مديراً من العاملين في إدارة الأزمات العامة في الشركات لمناقشة وباء الإنفلونزا.
وكان ذلك بسبب الخوف من أن المسائل التي أُثيرت بخصوص قدرة الشركات والمؤسسات على الاستمرار لم تلق إلا اهتماماً متواضعاً من جانب الحكومة البريطانية.
وقبل عام اشترك عدد من الشركات، خصوصاً شركات توليد الطاقة الكهربائية، الاتصالات، وشركات مبيعات التجزئة، في تدريبات على المحاكاة مع وكالة الحماية الصحية في بريطانيا، بهدف اختبار قدراتها على الاستجابة في حالة الوباء.
في الوقت الذي بدأ فيه فيروس إنفلونزا الطيور، المعروف باسم H5N1، إثارة المخاوف حين أخذت الطيور المهاجرة بالتساقط عبر أوروبا في الخريف الماضي، قدم بوب بيجوت إلى الفريق التنفيذي لبنك HSBC خططاً حول كيفية استعداد البنك لمواجهة احتمال انتشار الوباء بين الناس.
وفي الوقت الذي يزداد فيه خوف الناس نتيجة لسقوط أولى الضحايا الأوروبيين في تركيا قبل أيام، بسبب الشكل المميت من الإنفلونزا، يشعر بيجوت، رئيس إدارة الأزمات في مجموعةHSBC ، أن المجموعة على درجة جيدة نسبياً من الاستعداد لمواجهة الفيروس في حال انتشاره.
لكن بيجوت لا تراوده أية أوهام حول الخطر الذي يشكله الوباء، ولايزال يرى أن هناك ثغرات في قدرة مجموعته على الاستجابة، فما بالك بالخطر الذي يتهدد المؤسسات الأخرى في تصديها لهذا الموضوع. ويقول عن الإنفلونزا "هي على الأرجح أكبر تحد على مستوى المجموعة بأكملها".
وتتوافر لدى بنك HSBC الآن خطط جاهزة للطوارئ في كل بلد من البلدان الـ 77 التي توجد له فروع فيها. أما المؤسسات الأخرى، فإنها ليست على هذه الدرجة من الاستعداد. ففي الشهر الماضي نشر مركز الحلول الصحية التابع لشركة الاستشارات الأمريكية "ديلُويْت آند توش" دراسة ميدانية تشير إلى أن من بين الشركات الـ 179 التي أجابت على استبيان الدراسة، هناك 14 في المائة منها فقط كانت ترى أن لديها الاستعدادات المناسبة لمواجهة الوباء.
وحذرت "ديلُويْت آند توش" من أن "انتشار الوباء في أية بقعة من بقاع العالم يمكن أن يصيب سلاسل الإمداد بالشلل، الأمر الذي يؤدي إلى نقص كبير ومفاجئ في الأيدي العاملة، ويضعف إلى حد كبير قدرة الشركاء التجاريين والشركات الأمريكية على الوفاء بالالتزامات في مواعيدها".
ويقول ديفيد لويد، الاستشاري لدى "سيرفايف" Survive، وهي اتحاد إداري مقره لندن: "لا شك أن مستوى الوعي بالخطر على درجة عالية، لكن الأمر المحزن هو أن هذا الوعي ليس مصحوباً بالتحليلات والخطط الأساسية للتعامل مع الآثار المترتبة على ذلك".
وجمعت "سيرفايف" 30 مديراً من العاملين في إدارة الأزمات العامة في الشركات قبيل عيد الميلاد، لمناقشة وباء الإنفلونزا. وكان ذلك بسبب الخوف من أن المسائل التي أُثيرت بخصوص قدرة الشركات والمؤسسات على الاستمرار لم تلق إلا اهتماماً متواضعاً من جانب الحكومة البريطانية.
والواقع أنه كانت هناك حركة دائبة خلف الستار. فمنذ أكثر من سنة اشترك عدد من الشركات، خصوصاً شركات توليد الطاقة الكهربائية، الاتصالات، وشركات مبيعات التجزئة، في تدريبات على المحاكاة مع وكالة الحماية الصحية في بريطانيا، بهدف اختبار قدراتها على الاستجابة في حالة الوباء.
ويقول بروس مان، أمين سر الطوارئ المدنية في رئاسة الوزراء، الذي يعمل على تنسيق أعمال التخطيط الخاصة بالطوارئ لدى الحكومة البريطانية، إن عدداً من القطاعات الاستراتيجية الأساسية التي تم تحديدها على أنها حيوية خلال الوباء، مثل شركات الخدمات، البنوك، وخدمات الطوارئ، أحرزت تقدماً ملموساً.
وسيصدر مكتب مان قريباً طبعة مُحَدَّثة من الدلائل الإرشادية التي تركز على القدرة على الاستمرار في المؤسسات التجارية، وكذلك المؤسسات الأخرى مثل الخدمة الصحية القومية. وأصدرت جهات حكومية أخرى، مثل إدارة الصحة والسلامة، نصائح للشركات بخصوص الوباء.
إلا أن هناك فجوة واضحة لا تزال قائمة بين التخطيط عالي المستوى والتطبيق العملي، حتى في الشركات التي اهتمت بالموضوع، إذ ترى بعض الشركات أن خطر الوباء يبدو مبالغاً فيه، أو أنه لا يزيد على كونه أولوية نظرية ضمن الكثير من الأولويات الأخرى التي تفوقه أهمية.
وفي حين أن معظم المختصين في الصحة متفقون على أنه لا خلاف على وقوع الوباء الجديد، وإنما على زمن وقوعه، فإن الطبيعة المتغيرة باستمرار لفيروس الإنفلونزا تعني أنه ليس باستطاعة أحد حتى الآن أن يتوقع توقيته، أو حدته، أو نوعه.
ومع ذلك، تشير الحكومة البريطانية، تدعمها تقديرات غير رسمية من منظمة الصحة العالمية بالنسبة المحتملة لعدد السكان الذين يحتمل إصابتهم بالفيروس، إلى أن نسبة الموظفين الذين سيضطرون إلى التغيب عن العمل أثناء انتشار الوباء يمكن أن تصل إلى الربع.
ويعتقد بيجوت أن الرقم سيكون أعلى من ذلك بكثير. ويضع في حسبانه أن نسبة الغياب يمكن أن تصل إلى 50 في المائة، على اعتبار أنه سيكون منهم مرضى، ومنهم من يبقى في البيت ليعتني بالآخرين، بما في ذلك الأطفال الذين يُسحبون من المدارس، ومنهم من يحاول حماية نفسه من الإصابة بالمرض بعدم الذهاب إلى العمل.
ويقول لُويد: "معدلات الغياب يمكن أن يكون لها تأثير كبير، خصوصاً في القطاعات ذات الأرقام الحرجة التي لا يستقيم العمل بدونها". ويعتقد أن بعض الأقسام سيتم إغلاقها مؤقتا، مثل الفروع الصغيرة للبنوك، حيث الحدود الدنيا لعدد الموظفين يتم تقريرها استناداً إلى قضايا السلامة.
وفي حين أن كثيراً من الشركات وقطاعات الأعمال لديها خطط لحالات الطوارئ التي يمكن أن تقع مرة واحدة، كالفيضانات، الهجمات الإرهابية، وتعطل الكمبيوتر، إلا أن التخطيط لانتشار الوباء يمثل نوعا مختلفا من التحدي يتطلب التعامل مع موجة من حالات العدوى يمكن أن تستمر شهرين أو ثلاثة، مع احتمال تكررها بعد بضعة أشهر.
وهناك جانب آخر غير عادي للوباء، وهو ما يعرف باسم "مفعول الشلال". والمقصود بذلك أن تأثير الفيروس لن يقتصر على شركة أو منطقة بعينها، وإنما سيتجاوز ذلك إلى بلد بأكمله، وبعد ذلك بفترة قصيرة سينتشر إلى معظم بقاع الأرض. ومعنى ذلك أنه في حالة انتشار الوباء لن يكون بمقدور الشركات أن تعول إلا على أقل القليل من المساندة الخارجية، خلافاً لما يكون عليه الحال في الظروف العادية.
وهناك حلقة ضعيفة ذات أهمية حيوية، وهي المواصلات، إذ يرى معظم الخبراء أن وسائل النقل العام وحركة الطرق لا تزال في حالة استعداد ضعيف نسبياً. وستكون لذلك تأثيرات متعددة الأشكال، مثل تعطل المسافرين في المحطات، نقص إمدادات الطعام، وعدم توافر النقد في أجهزة الصراف.
ويحذر مان من الاعتقاد الشائع بأن السائقين العاملين لدى الجيش يمكنهم تعويض النقص. ويقول "الجيش ليس لديه عدد كبير من سائقي مركبات البضائع الثقيلة، ومعظمهم موجود الآن إما في أفغانستان أو العراق".
فما هي الأولويات الأساسية؟ أولا، التخطيط المدعوم بمساندة مجلس الإدارة. ويقول بوب كامبل من ديلُويْت: "الشركات بحاجة إلى تخطيط دقيق للغاية عاجلاً وليس آجلاً، وإعداد تقييم نسبي للمخاطر المتعلقة بالكيفية التي تتأثر بها عملياتها بشأن خدمة الزبائن ورأس المال البشري على مختلف المستويات. وينبغي عليها أن تفكر بإعداد خطط للطوارئ حول البدائل المتعلقة بالموردين، وأساليب التوزيع، والعمل من المنازل، والكيفية التي تساند بها مؤسسات عملائها الحلول البديلة".
ويشدد مان على أن خطط الطوارئ غالباً ما تركز على الغالبية من الموظفين في الدرجة الوسطى، لكنها تترك ثغرات حيوية في الدرجات العليا والدنيا في المؤسسات. ويقول "كبار الموظفين التنفيذيين ليسوا بمعزل عن الإصابة، فكيف تستطيع الشركة مواجهة الموقف إذا سقط أحدهم صريع المرض؟"
وإجراءات الحد من النفقات التي اتخذها أخيراً عدد من المؤسسات، تعني أن مجرد حفنة من الموظفين الفنيين (فريد العامل في غرفة البويلر وبيل العامل في تكنولوجيا المعلومات) يمكن أن تكون لهم أهمية فائقة. فإذا سقط أحدهم صريع المرض، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى تضرر الشركة.
والشركات بحاجة إلى التخطيط لنقل الموظفين إلى وظائف مختلفة، لتغطية الوظائف الحيوية، لمواجهة التغيرات خلال الوباء، مثل حدوث ارتفاع حاد في نسبة استخدام الهاتف والإنترنت.
وكما تشير إدارة الصحة والسلامة، فإن تعيين الموظفين في وظائف غير وظائفهم يمكن أن يستلزم إعادة تدريبهم. وعلى المخططين أن يفكروا كذلك في التشريعات المتعلقة بالتوظيف، حتى يضمنوا ألاّ يتم نقل الحوامل وغيرهن من ذوي الأوضاع الخاصة إلى وظائف غير مناسبة.
وعليهم أيضاً أن يضمنوا أن الموظفين المتنقلين لديهم إمكانية استخدام الإنترنت ذات السرعة العالية، حتى يتمكنوا من التعاون بكفاءة فيما بينهم. أما الشركات التي يعمل فيها موظفون أجانب، فربما يحسن بها التفكير في وضع قيود على سفرهم أو إعادتهم إلى بلدانهم بصفة مؤقتة.
وتدرس بعض الشركات تأمين الموظفين بأدوية مضادة للفيروس يمكن أن تساعد على المعالجة، وحتى الوقاية. لكنها تواجه نقصاً في الإمدادات وقيوداً قانونية تتعلق بصرف الأدوية، وقضايا أخلاقية تتعلق بكيفية توزيعها.
ويشكك الخبراء في مدى فاعلية الأقنعة الواقية (الكمامات) التي تصبح مشبعة بسرعة. إلا أن إدارة الصحة والسلامة توصي بعدد من إجراءات النظافة الصحية الإضافية ذات الطبيعة العملية للحد من العدوى، بما في ذلك تنظيف المكاتب باستمرار، وتوخي الحذر حين التخلص من المناديل والمحارم الورقية.
بقي موضوع أخير هو الاتصالات بهدف إبقاء الموظفين على علم بما يجد من تطورات، ومساءلة المخططين، وتعزيز ثقة الزبائن. ففي وقت يسهل فيه تشوش المعلومات، يمكن أن يصبح الوضوح ذا أهمية فائقة.
وما زلنا حتى الآن نتحسس الآثار التي يمكن أن تترتب على وباء الإنفلونزا المقبل. والتخطيط لذلك يتطلب الكثير من الموارد، لكن إذا تبين أن شدة الفيروس هي فعلاً كما يخشى الكثيرون، فإن التكاليف التي ستتكبدها الشركات جراء بقائها مكتوفة الأيدي ستكون أفدح من ذلك بكثير.