هذه الآيةُ تأمرُ المؤمنين بأن يحفظوا أنفسهم وأهليهم نارَ جهنم ، وقد فسَّر هذه الآية الصحابيُّ الجليل ابن عم النبي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والتابعي الجليل عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه ، أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد قال " علموا أنفسكم وأهليكم الخير " أي علم الدين ، وأما عطاء رضي الله عنه فقد قال :" أن تتعلم كيف تصلي وكيف تصوم وكيف تحج وكيف تبيع وتشتري وكيف تنكح وكيف تطلق "، المعنى المفهوم من تفسير سيدنا علي وتفسير عطاء بي أبي رباح لهذه الآية الكريمة أنّ المؤمن إذا تعلّم لنفسه وعّلم أهله أمور الدين فقد حفظ نفسه وأهله من نار جهنم ، تلك النار التي وقودها الناس والحجارة ، ففي هذه الآية تهديد وتوعد لمن أهمل ما يلزمه تعلمه من علم الدين الضروري الذي هو فرض على كل بالغ عاقل .
ففرض على الإنسان أن يعرف تصحيح العقيدة وتصحيح أعمال القلوب وتصحيح أعمال الجوارح من الطاعات والصلاة والصيام والزكاة والحج ومعرفة ما يحلّ وما يحرم من البع والشراء ومعرفة ما يحلّ من النكاح وما يحرم وما يصح من الطلاق وما لا يصحّ ، فمن أقدم على هذه الأشياء تاركا تعلم العلم وراء ظهره مع وجود من يعلم فقد عرّض نفسه لنار الله العظيمة ، ولو كان الشخص لا يجد في بلده من يعلم هذه الضروريات وعَلِمَ أنه يوجد بأرض كذا من يعرف أمور الدين فلا يجوز له أن يبقى في مكانه قانعا بجهله بأمور الدين بل يجب عليه أن يرحل كما قال ابن رسلان :
من لم يكن يعلم ذا فليسألِ من لم يجد معلما فليرحلِ
فهذه علوم الدنيا الناس يرحلون إليها ويتكلفون الآلاف المؤلفة في سبيل تعلمها وتحصيلها مع أنّ الغاية منها بحبوحة العيش في الدنيا الزائلة ، قد يتعب الشخص سنين عديدة في تحصيل هذه العلوم ثم قد يرجع فلا يعيش بل يأتيه أجله قبل أن يمكث زمانا كان يأمل هو أن يعيش فيه وببحبوحة يفاجئه الموت كم أناس رجعوا من دراساتهم في الخارج فباغتهم الموت ، وأما علم الدين فنتيجته السعادة الأبدية النجاة من تلك النار قال الله تعالى فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنة فقد فاز من سلمَ من تلك الناّر فدخل الجنة بلا عذاب فهذا هو الفائز هو الإنسان الرابح .
قال رسول الله < لا ينعقد قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل فيه وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه > رواه الترمذي ، قال رسول الله < من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وذكرهم الله فيمن عنده ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه > رواه مسلم .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول < من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر > رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي .
وعن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله عنهم أن النبي قال < من عَلَّمَ عِلمًا فله أجر من عَمِلَ به لا ينقص من أجر العامل شىء > رواه ابن ماجه .
وعن ابن عباس قال قال رسول الله < فَقِيهٌ واحدٌ أشدُ على الشيطانِ من ألفش عابدٍ > رواه الترمذي ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه مر بسوق المدينة فوقف عليها فقال :" يا أهل السوق ما أعجزكم قالوا وما ذاك يا أبا هريرة قال ذاك ميراث رسول الله يقسم وأنتم ها هنا ألا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه قالوا وأين هو قال في المسجد فخرجوا سراعًا ووقف أبو هريرة لهم حتى رجعوا فقال لهم ما لكم فقالوا يا أبا هريرة قد أتينا المسجد فدخلنا فيه فلم نر فيه شيئًا يقسم فقال لهم أبو هريرة وما رأيتم في المسجد أحدًا قالوا بلى رأينا قومًا يصلون وقومًا يقرؤون القرآن وقومًا يتذاكرون الحلال والحرام فقال لهم أبو هريرة ويحكم فذاك ميراث محمد " رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن .
يقول الله عز وجل وقل ربّ زدني علمًا [طه/114] ويقول أيضًا قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [الزمر/9] .
لقد حث الإسلام على العلم الشرعي وطلبه والعمل به ، فهو السبب الذي تتقدم به حضارات الشعوب وتزدهر بمناهله الأوطان، هذا وإن العاقل الفطن هو الذي يصرف عقله وجوارحه ليحصل على السعادة الأخروية ولو فاته كثير من نعيم الدنيا ، فإن من فاز في الآخرة فكأنه لم يحرم شيئاً ومن خسر الآخرة فقد هلك هلاكاً عظيماً.
وقد حث الإسلام أيضاً على معرفة العلوم الكونية النافعة للمجتمع التي تقوم عليها معايش العباد وهذه حقيقة يعلمها القاصي والداني حتى أهل الغرب وسائر أوروبا ، فلقد كانت الأمة الإسلامية في خلال القرون الخالية تُشهِدُ الدنيا أروعَ الحضارات وحركات الازدهار في كافة الميادين إنْ في الطُب فهم أئمّة علمائه أو الرياضيات فهذا الخوارزمي ألّف في قواعد الجبر والمقابلة ليستفيد من ذلك علماء الفرائض " المواريث " وفي الرياضيات الحديثة قسمٌ يُعرفُ باللوغريتما نسبةً لاسمه ، وفي علم البحار والملاحة فهذا البحار العربي الشهير أحمد بن ماجد يُناظر فاسكو ديغاما فيتفوّق عليه بالتقنية البحرية العالية التي كان يتمتع بها البحارة المسلمون ذلك الحين أو في مجال الاختراعات والمُنجَزات ، والمسلمون هم أوّل من صنع الساعة في أيام الخليفة العباسي هارون الرشيد الذي أهدى واحدة منها لملك فرنسا يومها شارل ليماني ، ولا ننسا أن المسلمين أيضاً أول من صنع المدفع مما يؤكد التّقنية الحربية التي حازوا عليها وقد استعملوا المدافع في حروبهم في أيام العثمانيين في القسطنطينية وغيرها ، كل هذا التقدم والرُقي تميز به المسلمون في الوقت الذي كانت فيه أوروبا غارقة في جهلها وفسادها تتخبط في مستنقعات التخلّف ولذا نقول : إنّ من أبناء هذه الأمة رجالاً يعِزُّ على التاريخ نسيان أسمائهم ، أجل ، يعِزُّ على التاريخ نسيان أسماء الخلفاء الأربعة ، يعِزُّ على التاريخ نسيان أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وابن قلاون وصلاح الدين ومحمد الفاتح ، وفي رجالات هذه الأمة علماء أفاضل بيّنوا أمور الدين وردّوا شبهات المُخالفين حفِظَ التاريخ مآثرَهم وما زالت علومهم إلى يومنا هذا مرجعاً للطلاب والباحثين ؛ فهذه الأمة ظهر فيها أمثال الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد ابن حنبل ، أمثال البيهقي وابن عساكر ، فُحوُلُ ميادين العلم وفحول ميادين الجهاد نبغوا في هذه الأمة المحمدية ، أمة أفضل البشر سيدنا محمد .
ثم ليعلم أن من أراد السعادة الحقيقية فطريقها العلم والعمل ، فالعلم نور والتعبد على جهل لا ينجي صاحبه يوم القيامة ما دام لا يأتي به على الوجه الصحيح ، فليس الجهل عذراً .
ثم ليعلم أن طلب العلم الشرعي الضروري هو فرضٌ ، وكونه فرضاً دل على أهمية شأن العلم وطلبه إذ أن علم الدين يحتاج إليه سائر طوائف الناس : الحكام والآباء والأمهات والتجار وغيرهم ، ولا يستغني عن علم الدين طبقة من طبقات الناس .
ولما كان علم الدين في العصور المتقدمة الفاضلة ، عصر الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وما يلي ذلك أوفر بكثير كانت أحوال المسلمين أحسن بكثير مما صرنا إليه في هذه العصور ، علم الدين حياة الإسلام من أغفله فهو ضائع تائه يميل مع كل ريح ويتبع كل ناعق.
والخاصيّة التي يتميز بها الإنسان عن سائر البهائم هو العلم ؛ وليست الخاصيّة التي يتميز بها الإنسان عن سائر البهائم هي قوة شخصه فإن الجمل أقوى منه ، ولا هي ضخامة جسده فإن الفيل أضخم منه ، ولا هي شجاعته فإنّ السبع أشجع منه، ولا هي بأكله فإن الثور أوسع بطناً منه ، فالخاصيّة التي يتميز بها الإنسان عن سائر البهائم هو العلم !! لذلك على الإنسان أن يجالس العلماء ويزاحمهم بركبتيه فإن الله سبحانه يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض بماء السماء .
إخواني ، إن العبد لا يكون عبدًا تقيًا صالحًا إلا بالعلم مع العمل ولا يكون مطبقًا لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا إلا بالتعلم فقد جاء في تفسير هذه الآية عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن وقاية النفس والأهل تكون بتعلم الأمور الدينية أي تعلم ما فرض الله علينا فعله وتعلم ما فرض الله علينا اجتنابه ، أي الحلال والحرام .
روى الترمذي بإسناد صحيح من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال :" كان رجلان أحدهما عابد والآخر عالم فقال رسول الله < فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ، وإن الله وملائكته حتى الحيتان في البحر ليصلون على معلم الناس الخير >، إن هذه المفاضلة المذكورة هي بين عالم هو حق العالم وبين عابد هو حق العابد
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول < من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع ، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثةُ الأنبياء ، إن الأنبياء لم يُورِّثوا دينارًا ولا درهًما إنّما ورّثوا العلم فمن أخذهُ أخذ بحظ وافر > رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي .
لقد رفع الله سبحانه وتعالى درجة العلماء العاملين لأن بالعلم يُصلِحُ اللهُ فسادًا كثيًرا ويُنجي به من المهالك خلقاً كثيرًا ، وبالعلم يَعرِفُ العبدُ مراتِبَ الأعمالِ : المُحرّم والمكروه والمندوب وما هو من المعاصي في مرتبة الكبائر وما هو في مرتبة الصغائر .
أخي المسلم ، إنك ترى ما تعانيه مجتمعاتنا و ما تقاصيه من التخبط بالجهل وعدم الإدراك وقلة الوعي ، وإن علاج أمراضنا متوقف على مدى التزامنا بحدود الله وتطبيقنا لشرعه الحنيف القويم ، إن من أراد أن يتعلم العلم الشرعي وأن يكون عارفًا بالفقه في الدين فما عليه إلا أن يسلك طريقًا صحيحًا لطلب العلم الشرعي فلا يعتمد على مطالعته الفردية ولم يكن قد حصّل من العلم الشرعي من أهله القدر الذي يؤهله لأن يكون مميِّزًا إذا ما طالع في الكتب كي يفرق بين الباطل والصحيح فإن لم يفعل ذلك واكتفى بالمطالعة فقط فإنه لا يأمن على نفسه من الوقوع في الفهم السيِّىء حيث لا يوجد معه من يُصوب له خطأه لذا لا يستطيع أن يميز بين الصحيح والسقيم من التآليف ، وإنّ الإعتماد على أسلوب المطالعة الفردية للكتب دون الرجوع إلى عالم ثقة ورع هو أسلوب لا يجعل من المرء عالماً ولا طالبَ علمٍ شرعي . إن طلبَ العلم لا يكون إلا بالتلقي من العلماء وقد مدح رسول الله الذي يذهب إلى أهل العلم ليتلقى العلم من أهله فلقد قال < من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة > رواه الترمذي ، وطالب العلم المقصود بهذا الحديث ليس كل من سمى نفسه طالب علم لأن مَن طلب العلم الشرعي ليستخدمه كوسيلة للرزق دون أن يعمل به إبتغاء مرضاة الله فلا أجر له . وفي صحيح البخاري " باب العلم قبل القول والعمل " واستدل على ذلك بقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا ويُفهم من كلام البخاري أنه يجب على المكلف أي البالغ العاقل أن يتعلم قبل أن يتصدر للتعليم وأن لا يدخل في شىءٍ حتى يتعلم ما أحل الله تعالى منه وما حرّم وذلك حتى يُميز بين الحلال والحرام والصحيح والباطل والمقبول والمردود والخير والشر ، ولا يكون التمييز بين هذه الأمور إلا بعد التعلم ، وكذلك لا بد من التعلم قبل مزاولة أمور البيع والشراء والتجارة حتى لا يقع الإنسان في الربا والغش والكذب فإن من لم يعرف الشر يقع فيه .
إن تعلم القدر الضروري من علم الدين أمر واجب على الرجال والنساء وليس على الرجال فقط ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:" نِعمَ النساء نساء الأنصارلم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين "، رواه البخاري .
وقد قال رسول الله < طلب العلم فريضة على كل مسلم > رواه البيهقي ، أي أن طلب القدر الضروري من علم الدين فريضة على كل مسلم سواء كان ذكراً أو أنثى ، فمن لم يتَعَلَمْهُ لا يضمنُ صحة صلاته ولا صحة طهارته ولا صحة صيامه ولا صحة زكاته ، ولا يضمن أنه مُتجَنِّبٌ بيده ورجله وعينه وأذنه ولسانه وبطنه وفرجه المعاصي التي نهى الله عنها. فإن الإنسان إذا أراد حقيقة أن يتّبع رسولَ اللهِ عليه الصّلاة والسلام لا بُدّ أن يتعلم هذا القدر من علم الدين وأن يعمل بهِ. ولا يجوز للمرأة أن تهمل هذا الأمر وذلك حتى تتعلم كيف تؤدي الواجبات وتجتنب المحرمات وكيف تعامل والديها وتعاشر زوجها كما أمر الله وكيف تربي أولادها التربية الصالحة ، فإن بهذا تنقذ نفسها من عذاب النار إذا طبقت ما تعلّمت من أداء الواجبات واجتناب المحرمات .
وليُعلم أن طلب العلمِ فيه ثوابٌ عظيم ، يكفي في ذلك قول رسول الله < من خرجَ في طلبِ العلمِ فهو في سبيلِ اللهِ حتّى يرجِع > رواه الترمذي ، يعني يكونُ ثوابُهُ مثلُ ثوابِ المجاهدِ في سبيلِ الله ، والمجاهدُ في سبيلِ الله معلومٌ ثوابُهُ ، في الجنةِ مائةُ درجةٍ أعِدّت للمجاهدين ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض ، فالذي يخرج لطلب العلم يكون ثوابُهُ مثلَ ثوابِ المُجاهدينَ لذلك قال الإمام الشافعي رضيَ اللهُ عنهُ :" طلبُ العلمِ أفضلُ من صلاةِ النافِلة "، رواهُ الخطيبُ في الفقيهِ والمُتَفَقّه ، وقال أحد الأولياء الصالحين :" نشرُ العِلمِ بينَ النّاس أفضل من توزيع المال عليهم "، ذلكَ أن علمَ الدينِ هو السلاح الذي يدافعُ بهِ المؤمن شياطينَ الجنِ وشياطينَ الإنسِ ويُدافعُ بهِ هواه .
ثم إن كلّ الأعمال لا تُقبَلُ إلا أن توافق الشرع وموافقة الشرع وعدم موافقتهِ لا يُعرف إلا بالعلم ، فلأجل هذا ينبغي صرف أكثر الوقت في العلم ، فالعلم هو الذي يُعرَفُ به ما هو الأفضل ثم الأفضل من الأعمال ، وصرف أكثر الوقت بالعلم خير من صرفه بالذكر والمدائح ونحو ذلك ، فقد جاء في سنن ابن ماجة أن الرسول دخل المسجد فوجد حلقتين حلقةً تذكرُ الله وحلقةً يتذاكرون في العلم فجلس رسول الله مع الحلقة التي يتذاكرون في العلم وقال < كِلا المجلسينِ على خير ولكن هذا المجلسُ أفضل >، وقد قال الحافظ النووي رحمه الله:" إنّ الإشتغال بالعلم أولى ما أُنفقت فيه نفائسُ الأوقات " أي أفضل ما شُغِلت بهِ الأوقات الطيبة ، فالعلم حياة الإسلام . وهو السلاح لدفعِ شُبهِ المُفسدين من وهابية وغيرهم ، فالرجل الذي لا يتسلّح بسلاح العلم مهما كان متعبداً ومهما كان مكثراً للذكر فهو عُرضَةٌ لأن تُشوِّشَ عليهِ الوهابية خاطِرُهُ فتميلَهُ إليهم لأنهم يقولون قال الله تعالى كذا فيضعون الآية في غير محلها ، ويقولون قال رسول الله كذا فيضعون الحديث في غيرِ محلّه ، وقد يُوردون الأحاديث الضعيفة والأحاديث الباطلة فمن ليس له علمٌ بذلك يتبعهم أو يتشكك و يبقى حائراً .
والعلم لا يؤخذ إلا من أفواه العلماء ، ولا تكفي مطالعة الكتب بغير تلقّ من أفواه العلماء ، بل كثير من الناس الذين يضلون سببه أنهم لا يتلقون علم الدين من أفواه العلماء بل يعتمدون على المطالعة من مؤلفات العلماء ، قال الإمام الحافظ الفقيه الشافعي الخطيب البغدادي :"من أخذ الحديث من الكتب لا يسمى محدّثاً بل يسمى صحفياً، ومن أخذ القرآن من المصحف يسمى مصحفيًا لا يُسمى قارئًا "، وقال إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه :" أفضل العلم ، العلم بالله ورسوله وأمور دينه "، إنتهى.
وأهم العلوم علم العقيدة فقد قال العلماء : يجب على طريق فرض الكفاية أن يكون في المسلمين من يقوم ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة بدلائلها العقلية والنقلية لدفع تشكيكات المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ويجعلون الله جسمًا يسكن ويتحرك وينزل ويطلع وإنه متحيز في جهة فوق ، وإبطال عقيدة المعتزلة الذين يقولون العبد هو يخلق أفعاله الإختيارية ليس الله يخلقها .
واليوم توجد من المشبهة الوهابية الذين يقولون إن الله جسمٌ قاعد على العرش ينزل بذاته كل ليلة إلى السماء الدنيا ويمكث في السماء الدنيا ثلث الليل الأخير ثم يرجع إلى السماء بعد طلوع الفجر، ويُكفِّرون من يتوسل بالرسول أو الأولياء ويُكفِّرون من يقول : يا محمد أو يا عبد القادر فيعتبرونه كافرًا حلالَ الدمِ ، لذلك يقتلون الناس في الجزائر لغير سبب شرعي وفي الشيشان وفي اليمن وفي مصر، فإذا لم يوجد من يقدر على دفع شبه هؤلاء المشبهة والذين يقولون بقول المعتزلة بالدليل النقلي والدليل العقلي ، يؤثر هؤلاء على من لا يعرف الدليل فيخرجونهم من عقيدة الإيمان إلى عقيدة الكفر من حيث لا يشعرون . وقد قالت الوهابية منذ فترة بالمدينة المنورة قال شيخهم المدرس : ثلاثة أرباع المسلمين كفار لأنهم يقولون: يا محمد ، يا عبد القادر !!!! ، فالذين يشتغلون بقراءة القرآن وكثرة الصلاة على النبي وكثرة الصلاة والتهجد لا يستطيعون رد هؤلاء إنما يستطيع من أتقن عقيدة أهل السنة في تنزيه الله تعالى عن مشابهة شىء من خلقه وعقيدة أنه لا خالق إلا الله ، بالقرآن والحديث ودلائل العقل . الوهابية ، بالعلم يُحَجُّون وبه يُفحَمون ، لا حُجّة لهم ولا دليل إلاّ العِناد وقبيح الكلام وصدق من قال لهم : قبيح الكلام سلاحُ اللئام !! والكوبُ ينضَحُ بما فيهِ !! لذلك لا بد أن يتعلم الإنسان علم الدين كي يُميّز بين أهل الحقّ وأهل الباطل .
وهنا ننبه إلى مسألة نفيسة وهي أنه ليس فرضاً على كل مسلم بعينه أن يصير كالشافعي أو غيره من فحول العلم ، إنما أقل ما يلزمه أن يُحصّل القدر الضروري الذي هو فرضٌ ، وأهم العلوم تحصيلاً هو علم التوحيد بدليل قول الله تعالى فاعلم أنه لا إله إلاّ الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات [محمد/19] ، فقوله عزّ وجلّ فاعلم أنه لا إله إلاّ الله فيه الإشارة إلى علم التوحيد وقوله عزّ وجلّ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات فيه الإشارة إلى معرفة الأحكام من أمور الطهارة والصلاة والصيام وغيره من مسائل العبادات ، وقد قُدِّمت الإشارة إلى علم التوحيد أولاً على ما فيه الإشارة إلى علم الأحكام .
فمما يجب على كلّ مكلّف علمه من علم التوحيد هو : أنَّ الله َواحِدٌ لا شَريكَ لَهُ، ولا شَىءَ مِثْلُهُ، ولا شَىءَ يُعْجِزُهُ، ولا إِلهَ غَيْرُهُ، قَديمٌ بِلا ابْتِداءٍ، دائِمٌ بِلا انْتِهاءٍ، لا يَفْنَى ولا يَبيدُ ولا يَكونُ إلاّ ما يُريدُ ، لا تَبْلُغُهُ الأوْهامُ ولا تُدْرِكُهُ الأَفْهامُ، ولا يُشْبِهُ الأنامَ، حيٌّ لا يَمُوتُ، قَيّومٌ لا يَنَامُ، مَوْجُودٌ بِلا مَكان، لا يُشْبِهُ الإنْسان، لا يَسْكُنُ الأرْضَ ، لا يَسْكُنُ السَّماءَ ولا يَجْلِسُ على العرش، لا يَحْتاجُ إلى شَىء، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصير، وهُوَ على كُلِّ شَىءٍ قَديرٌ وكُلّ شَىءٍ إلَيْهِ فَقيرٌ، وكُلّ أَمْرٍ عَلَيْهِ يَسير، ولا تَحَوُّلَ لأحَدٍ عَنْ مَعصِيةِ الله إلاّ بِمَعونَةِ الله، ولا قُوَّةَ لأحَدٍ على إقامَةِ طاعَةِ الله والثَّباتِ عَلَيْها إلاّ بِتَوْفيقِ الله ، وكلُّ شىءٍ يَجْري بِمَشيئةِ الله تعالى وعِلْمِهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ، ما شاءَ الله ُكانَ وما لَمْ يشأ لَمْ يَكُنْ، يَفعلُ ما يَشاءُ وهو غَيْرُ ظَالِمٍ أبداً، لا يُسألُ عَمّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسألون، ودينُ الله ِفي الأرضِ والسَّماءِ واحِدٌ، وهو دينُ الإسلام، قالَ الله ُتعالى إنّ الدّينَ عِنْدَ الله ِالإسْلام وهو دينُ جميعِ الأنْبِياءِ مِنْ أَوَّلِهِم آدم إلى آخرِهِم مُحَمَّد صلَّى الله عَلَيْهِم أجْمَعين، وأنبِياءُ الله كُلُّهُم رِجالٌ، يَسْتَحيلُ عَلَيْهِم الكَذِب والْخِيانَة والغَبَاوَة والرَّذالة والسَّفاهَة والْجُبْن والكُفْر والكَبائِر والصَّغائِر الّتي فيها خِسّة ودَناءَة وكِتمانُ شىءٍ مِمّا أُمِروا بِتَبْلِيغِهِ والْجُنون والأمْراض المْنُفِّرَة كخُروج الدّود مِنَ الجِسْم، وهذا كلّه قَبْلَ النُّبُوّة وبَعْدَها، كذَلِكَ جَميعُ الأنبياء مَوْصوفونَ بالصّدقِ والأمانَة والفَطانة والعِفّة والشَّجاعة وجَمال الخِلْقَة وجَمال الصَّوْت والعِصْمَة مِنَ الكُفْر والكَبائِر والصَّغائِر التي فيها خِسّة ودَناءة. ما أحد مِنَ الأنبياء كَفَر أو شَكَّ بالله، ما أحد من الأنبياء زنى أو سرق، ما أحد من الأنبياء كان عَصَبِي الْمَزاج، ما أحد من الأنبياء شَرِبَ الخمرة أو كان قلبه مُتَعلّقاً بالنِساءِ ، ما أحد من الأنبياء خَرَجَ مِنْهُ الدّود، ما أحد من الأنبياء كان جَبَاناً أو هَرَبَ مِنَ الكُفّار. ونَحْنُ مُؤْمِنونَ بِذَلِكَ كُلّهِ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ونُصَدّقهُم كلَّهُم على ما جاءوا بهِ. والملائكةُ هُمْ سُكّانُ السَّماء، كلُّهُم مُسلِمونَ، ليسوا ذُكوراً ولا إناثاً لا يأكُلونَ ولا يَشْربونَ ولا يَرْتاحونَ ولا يتعبونَ ولا يَنامونَ ولا يَعْصونَ الله َما أَمَرَهُم ويَفْعَلونَ ما يُأمَرون .
يا أخي ، إن الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذاب الله فكن حريصاً على جوارحك وخاصة لسانك ، وإيّاك أن تتكلّم بشىءٍ لا يُرضي الله فإن أكثر خطايا ابن آدم من لسانه، وبادر إلى طلب العلم بإخلاص وهمّة واذكر قول الحبيب < من يُرِدِ اللهُ به خيراً يُفقّهُهُ في الدين > وتذكر أن طلبك للعلم الشرعي هو واجب عليك وهو سبيلك إلى التقوى والصلاح ، وإذا كنت تسأل عن الجامعة والمدرسة والطبيب والنجار قبل أن تذهب إليهم فالأوْلى أن تتحرى عمّن تأخذ منه علم الدين ، لذلك يقول الإمام محمد بن سيرين :" إنّ هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم " رواه مسلم ، قال أحدهم : تعلم فليس المرء يولد عالماً وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده صغير إذا التفّت عليه المحافل
الله تباركَ وتعالى جعلَ هذه الحياة الدُنيا مزرعةً للآخرةِ فمن زرعَ فيها ما ينفعُهُ في الآخرة ويكون لهُ ذخراً بإجتنابِ المعاصي وأداء الطَّاعاتِ فمزرعتهُ صارتْ خيراً لهُ ونجَاةً وفوزاً في الآخرةِ . فاغتنموا في هذه الأيام القلائل لتلكَ الأيامِ الطوالِ ما يكون ذخراً لكم وهو الدُّؤْبُ على تعلم ما فرضَ الله تعالى من علم الدينِ من حيثُ الاعتقادِ ومن حيثُ الأحكامِ ثُمَّ العملُ بذلكَ . اغتنموا هذا الفراغَ ، اغتنموا شبابكم لتحصيلِ هذا الذُخرَ العظيمِ ، وإياكم والغفلةُ بالتنعّم وتعلّقِ الهِمَمِ بتكثيِرِ المالِ فإنَّ ذلكَ حجَابٌ قاطِعٌ لكم عنِ اتخاذِ هذا الذُخرِ العظِيمِ .
كن أميناً على الأمانة ، بعيداً عن الخيانة ، صبوراً على الشدائد ، قليل المؤنة ، كثير المعونة ، طويل القيام ، كثير الصيام ، تصلي رهبة ، وتصوم رغبة ، غاضاً للطرف ، قليل الزلل ، كثير العمل .
عباد الله الكفن يلفنا والقبر يضمنا وإلى الله مرجعنا فعلينا جميعاً العمل لما بعد الموت فليس لنا من الموت حصن حصين فكل نفس ذآئقة الموت .
نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة
اللَّهم علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا يا الله ، والحمد لله ربِّ العالمين .