بعد قرار هيئة الأوراق المالية السعودية بخفض نسبة التذبذب إلى 5٪
خبراء أسواق المال لـ «الرياض»:
الأيام السوداء عابرة... والقرار سيصحح اوضاع السوق على المدى الطويل

حسان بو حليقة يتحدث للزميل رامي سلامة
دبي - مكتب «الرياض»: تحقيق - رامي سلامة:
كان للقرارات الاخيرة التي اتخذتها هيئة الاوراق المالية السعودية وقعا شديدا على عدد كبير من المتعاملين في السوق المالي السعودي، وعبر العديد منهم عن استيائه خاصة من القرار الاخير القاضي بخفض نسبة التذبذب صعودا وهبوطا الى 5٪ في السوق المالي، وذلك بحجة ان هذا القرار سيأتي على مدخرات صغار المستثمرين و(يبخر) ارباحهم ما سيكلفهم اعباء عدم القدرة على سداد ديونهم للبنوك.
وقد انعكست اثار القرارا الاخير سريعا على المؤشر العام للسوق وانخفاضه منذ مطلع الاسبوع الجاري على التوالي الى اكثر من 1800نقطة حتى يوم أمس، ما شكل مع عدد من الشائعات الاخرى، حالة ضغط وارتباك كبير من قبل جمهور المتعاملين، دفعهم الى اتخاذ قرارات بالبيع، هبطت باسعار أسهم 78 شركة متداول عليها.
ورغم ان القراءات الاولية لمؤشرات السوق على مختلف قطاعاته سجلت انخفاضات وصلت الى نسبة 5٪ اي ان جميعها اقتربت من الحد الادنى، الا ان الغالبية الكبرى من المحللين الماليين وخبراء الاسهم السعوديين كان لهم رأياً آخر، وقد استطلعت « الرياض» عدداً من آراء هؤلاء اثناء حضورهم قمة الاكتتابات الأولية المنعقدة في دبي بدولة الامارات العربية المتحدة والتي شهدت مداولتها الاعلان عن طرح 120 إصدارا جديدا بقيمة 50 مليار ريال سعودي خلال السنوات الثلاث القادمة، ووسط هذا التفاؤل الكبير كان السوق المالي السعودي يهوي على مدار الايام القليلة الماضية، ولذا عمدت » الرياض» لكشف الاسباب ومحاولة تهدئة المتعاملين وعدم الجري وراء الشائعات.
حيث ذكر الدكتورعبد الرحمن عبد الله الزامل، رئيس مجلس ادارة مجموعة الزامل، معقبا على قرار خفض نسبة التذبذب الى 5٪ وانعكاساتها السلبية على النشاط في السوق المالي السعودي قائلا: «ان السوق السعودي يدار من هيئة متخصصة ذات خبرة، رغم أنها تعد حديثة النشوء نسبيا، الا ان العاملين فيها لهم خبرة اكثر من 26 عاما في السوق، والنظام المالي السعودي بحسب رأي الخبراء، هو من افضل الانظمة في الخليج».
وعن سبب فرض هذا القرار قال الزامل : «سوق المال يتفاعل مع الوضع العام في السوق، وما حصل في السوق السعودي لا ينفي انه ما زال حيوي وقوي و90٪ من الشركات سهمها قيادي وذات مردود جيد الا ان هناك عدد محدود من الشركات اعطت صورة سيئة للسوق من خلال المضاربين وهذا ادى الى تدخل هيئة السوق لفرض نسبة تذبب 5٪، ما أدى الى ضبط اوضاع السوق، وهو رسالة واضحة الى المضاربين».
وعن الانعكاسات الفورية للقرار، يضيف الزامل:« هذا القرارا سيؤدي الى تهدئة السوق وانخفاض المؤشر العام، كما ان هناك عدد من الشركات سوف تنخفض القيمة السوقية لأسهمها».
وذكر الزامل ان المتعاملين في السعودية عليهم ان يقدروا حقيقة حجم الاقتصاد السعودي واهمية المحافظة على قوته، وعن سؤال «الرياض» بخصوص خروج رؤوس الاموال من المملكة بسبب ارتفاع القيمة الاسمية لأسهم الاصدار الأولي قال الزامل : «بالنسبة للطرح الاولي للشركات المساهمة العامة في الممكلة فانها تخضع لقرارات لجان متخصصة، هي التي تحدد القيمة الاسمية للسهم، وارتفاعها عن نظيراتها في دول مجلس التعاون ليس سلبية لأن الامر برمته انعكاس لواقع حجم راس المال للشركة المساهمة العامة، وعدد الاسهم المطروحة للاكتتاب العام».
وعن اثر قرار خفض نسبة التذبذب على تسريع دخول السوق السعودي في فترة تصحيح الاسعار قال الدكتور عبد الرحمن الزامل : «في اسواق المال الخليجية هناك مبالغات في اسعار العديد من اسهم الشركات، ولا يعبر عن القيمة الحقيقية للشركات، ولذا كان لا بد ان يدخل اكثر من سوق خليجي في الفترة السابقة في موجة تصحيح اسعار».
وأضاف : «لا يوجد اطراف تتحكم في اسعار الاسهم في السوق السعودي والمسألة تعود الى سلوك المضاربين الذين هم ليسوا استثناء عن واقع اسواق المال العالمية، السوق السعودي يمر حاليا في مرحلة تصحيح اسعار، لأنه دخل في موجة ارتفاع وقف وراءها مضاربون ، كما ان اي سوق مالي لا يمكن ان يستمر على الدوام مؤشره بالارتفاع الحاد، ولا بد في النهاية ان يصحح اوضاعه وعلى المستثمرين والمدخرين والمضاربين ان يعوا هذه المسألة».
وعقب الزامل قائلا: «ان سوق دبي انخفض بقيمة 30٪ في الشهور الاربعة الماضية، والسوق السعودي ليس استثناء وقد يمر في موجة ركود الا ان الشركات القيادية التي تعبر القيمة السوقية لأسهمها عن الواقع الحقيقي لها فسوف تصمد وستحقق ارتفاعات، والهزة في السوق السعودي ان حدثت فلن تؤثر على قطاع البنوك والبتروكيماويات، بنفس القدر الذي ستتاثر ببه سلبا الشركات التي لا تحقق ارباحا فعلية».
وأكد الزامل مجددا انه اذا حصل خروج للاموال السعودية الى الخارج او الى اسواق المال الخليجية فان ذلك ظاهرة ايجابية، وقال: «هناك عملية متبادلة اذ يوجد عدد كبير من المستثمرين الخليجيين يستثمرون اموالهم في الشركات السعودية».
وعن اشكالية عدم تحول العديد من الشركات العائلية الى شركات مساهمة في ظل العولمة قال رئيس مجلس ادارة مجموعة الزامل: «التحول من الشركات ذات المسؤولية المحدودة الى شركات مساهمة عامة، محدودة جدا، ولا بد من دعوة شركاء رئيسيين للادارة ولرفع راس المال والتسويق حتى تصمد هذه الشركات ذات الطابع التنافسي، اي أن الأمر في النهاية مرتبط بطبيعة النشاط التي تمارسه الشركة ولكن من بين 5000 شركة عائلية 4 فقط تحولت الى شركات مساهمة عامة، والشركات الجاهزة للتحول عليها ان تعي ما هو المقصود من التحول، فليس الهدف بيع الشركة، او فتحها امام رأس المال لأن ذلك سيؤدي الى فقدان صاحب الشركة حق اداراتها.
وشدد الزامل مجددا على أن : «المملكة منفتحة على الاسواق العالمية منذ اكثر من 20 عاماً ودخلت تجربة المنافسة قبل الانضمام الى منظمة التجارة العالمية، وفي الاصل لا يوجد في دول الخليج حواجز جمركية اصلا، ولذا فان القطاع الخاص يمتلك خبرة سابقة للتنافس وهي لا تتمتع بالدعم، ويوجد في الممكلة مجموعات صناعية 40 ٪ من منتجاتها تصدر الى اكثر من 42 بلدا في العالم».
وأضاف : «في امريكا معدل الحماية الجمركية في الغرب 8٪ وفي كوريا الجنوبية 20٪ على سبيل المثال، ولذا فان قوانين الاقتصاد في الخليج وبالذات في الممكلة هيأت القطاع الخاص للدخول في المنافسة منذ وقت سابق لتوقيع اتفاقيات التجارة الحرة، واليوم يوجد في الخليج وفرة مالية كبيرة بسبب ارتفاع عوائد النفط، وتم استرجاع عدد كبير من رؤوس الاموال المستثمرة في الخارج، والطفرة الاقتصادية الكبيرة الموجودة في السعودية والامارات، لها دلالات صحية كبيرة، ولا خوف نهائيا من خروج بعض الاموال من السوق السعودي».
واختتم الزامل قائلا: «السوق السعودي مفتوح للاستثمارات الاجنبية باستثماء قطاع البنوك، والسوق المالي مفتوح للسعوديين والخليجيين على السواء اما الاجانب فيحق لهم الاستثمار عن طريق الصناديق الاستثمارية».
تطوير النظام المالي
أما الدكتور احسان بن علي بو حليقة الرئيس التنفيذي لمركز جواثا الاستشاري للمعلوماتية، فأجاب عن سؤال «الرياض» عن تدخل الحكومة السعودية في السوق كاجراء وقائي لكي لا يصبح السوق عرضة للمضاربين ومن ثم الدخول في موجة كساد، فاجاب: «اعتقد ان الحكومة السعودية لن تدخل في مسار السوق السوق المالي، وتطبيق 5٪ تدخل اداري لتقييد السوق وفق انظمة جديدة».
وعن سبب هذا القرارا أجاب الدكتور بو حليقة: «السبب الرئيس في ذلك ان السوق السعودي حديث نسبيا، في السابق لم يكن هناك سوق مالي ولا مستثمرين، وكان ارادات النفط متوسطة، أما الآن يمر سوق الاسهم السعودي في مرحلة انتقالية تشهد وفرة في السيولة وسوق مالي وبنوك او شركات مالية تابعة لها تقوم باعمال الوساطة، هناك مستثمرون واقبال كبير جدا على الاسهم في السعودية ومنطقة الخليج، وأدى ذلك الى نشوء طفرة عالية جدا، ترتب عليها تدخل هيئة الاوراق المالية لتنظيم المضاربات باتجاه تبييت حالة استقرار للسوق المالي السعودي وهذا امر ضروري جدا، لنه سوق يحوي رؤوس اموال كبيرة جدا.
واضاف بو حليقة: «والهيئة بصدد اتخاذ قرارات تنظيمية اخرى ولكنها تدخل بشكل متدرج لأن السوق المالي السعودي يشهد اقبالا كبيرا من قبل المتعاملين وتعقد به صفقات بشكل كبير جدا، فحتى لا يتم طرد المتعاملين الكبار من السوق، يتم اتخاذ اجراءات بشكل متدرج حتى لا تتكرر احداث متشابهة حدثت في تسعينات القرن الماضي في اوروبا عندما شهدت موجة اكتتات كبيرة جدا على عدد من المؤسسات والشركات التي تمت خصخصتها ومن ثم فرضت قوانين تقييدية بشكل مباشر ما ادى الى ركود اسواق المال السعودية.
كما ذكر الرئيس التنفيذي لمركز جواثا: «تشهد أسواق المال في دول مجلس التعاون نمو ظاهرة المدخرين في السوق وهؤلاء معظمهم من المضاربين الذين يبحثون عن الربح السريع ومن الصعب ان يتحولوا الى مستثمرين، واذا تركوا بلا ضوابط فهم سيؤثرون بشكل سلبي على صورة الاقتصاد في دول الخليج، ولذا فهيئات الاوراق المالية وكبار المستثمرين في السوق يهمهم ان يعكس السوق القيم الحقيقية للشركات، وانهاء ظاهرة ارتفاع القيم السعرية لاسهم شركات ناشئة لا يوجد لها ارباح او مشاريع حقيقية.
واعتبر بو حليقة ان تدخل الهيئة ضروري وجاء في وقته لادارة ازمة متوقعة في المستقبل حيث قال: «لا بد من ادارة الطفرة الناشئة في سوق المال السعودي، ليصبح السوق المالي مركزا للاستثمار والاقتراض والادخار طويل المدى، ولو تراجع سعر النفط فان ذلك لن يؤدي سلبا على اوضاع السوق المالي السعودي، لأن ثقافة الاستثمار تطورت ايضا بالنسبة لما يسمى ظاهرة تجمع المدخرين ونمو المحافظ المالية، كما ان نمو القطاع الخاص السعودي بدأ منذ الثمانينيات من القرن الماضي، ومعدلات نموه اعلى من القطاعات الحكومية وهذا سيدعم موقف السوق المالي حتى لو انكمشت ارباح النفط في المدى المتوسط او البعيد».
كذلك قال عرج بو حليقة معقبا على سلبيات النظام المالي في المملكة: «أن القطاع المالي السعودي لا يسهم بالقدر الكافي والذي يعبر عن حقيقته في اجمالي الناتج المحلي في الممكلة، الا ان هناك موجة جديدة من اجل دفع قطاعات البنوك وخدمات الاوراق المالية والتأمين والتمويل وزيادة نشاطها بما يتوافق مع حجم الاقتصاد السعودي الأكبر في المنطقة ، فهناك 8 شركات تأمين جديدة مثلا سوف تطرح في السوق المالي السعودي».
وعلى النقيض من الرأيين السابقين ذكر رجل الاعمال السعودي ابراهيم المطوع أن هذه النسبة الجديدة قد حددت من ارباح صغار المستثمرين، وهي غير مشجعة ولا تعطي فرصة حتى للشركات لتتلقى المردود المباشر على السعر السوقي لأسهمها اذا ما حققت ارباحا او اطلقت مشاريع جديدة».
وعن ظاهرة تقييد المضاربين قال المطوع: «ان المضاربين الذين لا يعون لغة السوق سيخرجون منه وبالتالي لا مبرر من التخوف من الاثر السلبي لسلوك المضاربين، وبالتالي فقرارا هيئة الاوراق المالية عجل من اخرج عدد من صغار المستثمرين من السوق».
وطالب المطوع بأن تصدر الهيئة قرارات تسمح بفتح السوق المالي السعودي أمام شركات الوساطة، وتطوير الاجراءات الرقابية على التعاملات لمنع تلاعب المضاربين، واعتبر المطوع ان الشركات القائمة التابعة للبنوك لديها مبلغ من المال يخص شريحة كبيرة من كبار المستثمرين، لكن نشاطها مركز على اشخاص معينين او استثمار محافظهم المالية الخاصة بهم، وبالتالي كان من الأولى بحسب راي المطوع أن على السوق ان يفرض رقابة على شركات الخدمات المالية العاملة حاليا.
وعن المخاوف من خروج الاموال من السوق السعودي قال المطوع: «لن تخرج اموال كثيرة من السوق بسبب قرار خفض نسبة التذبذب الى 5٪، والسبب المباشر هو انخفاض القيمة الاسمية للاسهم المطروحة للاكتتاب العام في دول الجوارفقط»، وأضاف: «معالجة اشكالية ارتفاع قيمة السهم في الطرح الاولي في المملكة يمكن ان تتم من خلال تجزئة السهم اي زيادة عدد الاسهم المطروحة، ولكن في الممكلة عموما يوجد احتكار من قبل المؤسسين بحجة مخاطر التأسيس للاعدد الاكبر من الاسهم».
وأكد المطوع ان لقرار هيئة الاوراق المالية الاخير جزء من الصواب: «بسبب أن في السوق المالي السعودي القيمة السعرية لبعض الشركات مبالغ فيها، وقد يؤدي هذا القرار الى تصحيح اوضاعها والكشف عن قيمتها الحقيقية».
وذكر المطوع عدداً من سلبيات السوق جاء منها انه غير مفتوح للمستثمر الاجنبي الا من خلال الصناديق، وعلى النقيض من ذلك احيانا يكون المستثمر الاجنبي عازفا عن الاستثمار الطويل الامد في اسواق المال الخليجي لأن قوانين الاقامة لا تمنحهم الاستقرار، ولذا فهم لا يتصرفون كمستثمرين دائمين».
واعتبر المطوع أن اي سوق مالي: «لن ينجح الا بمضاربين لأنهم هم الذين يعقدون الصفقات ويحركون السوق لأنه احد مصادر دخلهم الرئيسية»، وأضاف: «صغار المستثمرين لم ترتفع مدخراتهم من ارتفاع اسعار النفط، ودخلوا بمدخراتهم في السوق، وهم الان وفق هذا القرار الجديد من قبل هيئة الاوراق المالية السعودية قد تآكلت أرباحم هذا اذا لم يتحملوا خسائر، وبالمقابل كان سوق دبي المالي الذي يستقطب مستثمرين من المملكة وخارجها، وحقق لهم ارباح كبيرة، وله جاذبية بالنسبة للعديد، واكثرهم من ابناء الممكلة».
تقليل نسبة المخاطر
من جهته قال هشام صالح الساعي، مدير بنك سيكو الاستثماري، : «إن هذه الخطوة تأتي في الطريق الصحيح وتقلل من نسبة المخاطر المتوقعة بعد الطفرة التي مر بها سوق الاسهم السعودي، ويقول الساعي ان التذبذب الكبير يعرض السوق للشائعات التي تؤثر بشكل كبير على صغار المستثمرين وليس على المستثمرين الكبار، وهذا القرار في المستقبل القريب سوف يكشف كل المعارضين له انه سيحمي مدخراتهم من التآكل اذا ما تعرضت السوق الى موجة ركود».
واضاف: «اما عن الوضع الراهن فان صغار المستثمرين وبلا شك فقد تآكلت ارباحهم وقل معدل نموها وهناك تحول من السوق السعودي الى سوق دبي المالي بسبب هذا القرار، وستكون هذه حالة مؤقتة، ولو اخذنا سوق البحرين فان نسبة التذبذب فيه 1٪ فقط ومعدل مضاعفة الارباح فيه لا تتجاوز 18٪ على خلال قطر والسعودية والامارات التي تصل معدلات رفع الارباح فيها الى 45٪ الا ان هذا الامر زاد من جاذبية سوق البحرين المالي لأنه اكثر استقرارا وأمنا وليس عرضة للهزات، وهذا النظام معمول فيه في الكويت وسلطنة عمان، وصحيح ان هناك معدل جني الارباح أقل الا ان استقرار السوق عامل لا يستهان به، ولذا فان قرار هيئة الارواق المالية السعودي صحيح».